
بسام كوسا : عبقري التحولات الدرامية وجوكر الشخصيات
بسام كوسا، أحد أعظم الممثلين في تاريخ الدراما السورية والعربية، يمتلك تاريخًا فنيًا حافلًا بالأعمال التي أثرت في الجمهور وأدت إلى تقدير كبير لموهبته. من خلال مسيرته الطويلة والمثيرة، تمكن كوسا من تقديم شخصيات متنوعة ومعقدة، استطاع من خلالها أن يجسد مختلف طبائع البشر في أسمى تجسيد لها. تميز بقدرة استثنائية على التحول في الأدوار التي يقدمها، ليبني علاقة عميقة مع الجمهور من خلال التفاعل الصادق مع نصوص الأعمال والشخصيات التي يتقمصها.
يعتبر أداء كوسا في مسلسل “باب الحارة” من أبرز المراحل في مسيرته، وخاصة من خلال تجسيده شخصية “الادعشري”، التي تمتاز بالشر والخداع والطموح المفرط. في هذا الدور، قدم كوسا شخصية معقدة تجمع بين القسوة والضعف الداخلي، مما جعله يقدم واحدة من أقوى تجسيدات الشخصيات السلبية في تاريخ الدراما العربية. كما يظهر بوضوح من خلال أداء كوسا، أن شخصية “الادعشري” ليست مجرد شرير تقليدي، بل هي شخصية مليئة بالتناقضات، وهو ما جعلها أكثر واقعية وأقرب إلى الإنسان العادي الذي يواجه صراعًا داخليًا بين الطموح والندم.
استطاع كوسا أن يعكس الصراع النفسي الداخلي لشخصية “الادعشري” ببراعة من خلال تفاصيل دقيقة في تعبيرات وجهه ولغة جسده. فكل نظرة أو حركة كانت تضيف بعدًا آخر للشخصية، مما جعلها تبتعد عن التصور النمطي للشخصيات الشريرة. فلم يكن “الادعشري” مجرد شخص يحمل صفة الشر، بل كان إنسانًا يعيش مع معاناته الداخلية، ساعيًا لتحقيق أهدافه بأي وسيلة، ولكن في الوقت نفسه يعاني من صراعاته الداخلية التي تمنعه من أن يكون شخصية مستقرة نفسيًا.
هذه القدرة الفائقة على تقديم الشخصيات ذات البُعد النفسي المعقد جعلت من كوسا أحد أبرز الممثلين الذين استطاعوا نقل الدراما إلى مستوى عالٍ من الاحترافية. فقد استطاع من خلال أدائه المتقن أن يقدم للمشاهدين تجسيدات حية وواقعية لشخصيات تعيش ضمن سياقات اجتماعية وثقافية متنوعة.
أما في شخصية “الادعشري”، فقد تألق كوسا بشكل فني نادر، فهو لم يُركز فقط على إبراز سلبية الشخصية، بل أضاف لها بعدًا إنسانيًا يظهر معاناته الداخلية وتوتره النفسي. في اللحظات التي كان يشهد فيها تهديدًا أو عنفًا، كانت تعبيرات وجهه وحركات جسده تتنقل بين لحظات التوتر والراحة، مما أضاف للشخصية مصداقية أكبر. لقد استطاع كوسا أن يقدم توازنًا دقيقًا بين قسوة الشخصية وضعفها، مما جعلها تتسم بالتعقيد، وتحمل رسالة فنية أعمق من مجرد كونها شخصية شريرة.
إن إبداع كوسا في هذا الدور يعكس جوهر فنه، الذي يعتمد على البناء النفسي العميق للشخصيات، وتقديمها بطريقة تجعل من كل شخصية تجربة إنسانية فريدة في حد ذاتها. والأكثر من ذلك، فقد أثبت من خلال تجسيده لشخصية “الادعشري” أنه لا يوجد شخصية شريرة محضة، بل هناك دائمًا جوانب إنسانية وراء كل سلوك، مهما كان شريرًا أو قاسيًا. وبذلك، ساهم كوسا في إعادة تعريف مفهوم “الشر” في الدراما العربية، وجعل من كل شخصية يؤديها انعكاسًا لصراع داخلي وصورة معقدة من الواقع الاجتماعي.
إن بسام كوسا لا يقتصر دوره على تقديم الشخصيات، بل هو يبني عالمًا من المشاعر والمواقف التي تنعكس على الجمهور، فتترك أثرًا طويل الأمد في الذاكرة الفنية للمشاهدين. سواء كان يؤدي دورًا شريرًا أو طيبًا، فإن كل شخصية تتحدث بلغة كوسا الخاصة، وتتناغم مع تفاصيل درامية دقيقة، مما يجعل منه واحدًا من أروع الفنانين الذين مروا على الشاشة العربية.
يجدر بالذكر أيضًا أن بسام كوسا يُلقب بالـ “جوكر” في عالم الفن العربي، نظرًا لقدرته الاستثنائية على تقديم أي دور ببراعة. سواء كان الشرير، البطل، أو حتى الشخصيات المعقدة ذات الأبعاد النفسية، فقد أثبت كوسا أنه يمتلك القدرة على التحول الكامل وتجسيد أي شخصية بأقصى درجات الإقناع. تلك الموهبة الفائقة تجعله واحدًا من أكثر الممثلين تنوعًا، مما يساهم في جعل كل عمل يشارك فيه أكثر تميزًا.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment