
ملحم بركات : الفن الذي رسم ملامح الهوية اللبنانية
ملحم بركات ، الموسيقار اللبناني الكبير، ليس مجرد اسم في عالم الموسيقى، بل هو أيقونة فنية خالدة. كان ملحم بركات يشكل نقطة توازن بين الماضي والحاضر في عالم الموسيقى، حيث جمع بين العبقرية والإبداع والجرأة في تقديم موسيقى لبنانية فريدة. برز كواحد من أبرز الموسيقيين الذين استطاعوا أن يصنعوا لأنفسهم مسارًا استثنائيًا يربط بين الأصالة والتجديد، مما جعله شخصية لا تُنسى في تاريخ الفن العربي، فبصمته الموسيقية كانت ولا تزال جزءًا أساسيًا من الثقافة اللبنانية والعربية.
فلسفة موسيقية قائمة على الهوية
تميز ملحم بركات برؤية موسيقية أصيلة، حيث كان مدافعًا عن الهوية اللبنانية بكل فخر واعتزاز. كان يسعى دائمًا لتعزيز الأغنية اللبنانية باعتبارها جزءًا من التراث الثقافي العربي، رافضًا تقديم أعمال بلهجات عربية أخرى. كان يعتقد أن الأغنية اللبنانية تستحق أن تكون حاضرة بقوة في المشهد العربي دون الحاجة إلى التكيف مع الأنماط السائدة في مصر أو الخليج. هذا التوجه لم يكن مجرد خيار موسيقي، بل كان موقفًا ثقافيًا عميقًا يعكس حبه الشديد لوطنه وإيمانه بقيمة التراث اللبناني.
رفضه الانصياع وراء التيارات الغنائية الجديدة أكسبه احترامًا كبيرًا من الكثيرين، لكنه وضعه أيضًا في مواجهة انتقادات اعتبرت أن تمسكه باللهجة اللبنانية قد حدَّ من انتشار أعماله في بقية الدول العربية. ورغم هذا، استطاع ملحم أن يحقق نجاحات كبيرة تبرهن على قوته الفنية، حيث أبدع في إنتاج أغنيات تجمع بين الحداثة والأصالة، ليحفر اسمه بأحرف من ذهب في عالم الموسيقى.
عبقرية اللحن وأثره على الفن العربي
كان ملحم بركات قبل كل شيء ملحنًا مبدعًا، وصانع ألحان لا تُشبه إلا نفسها. عمل على تطوير موسيقاه ليقدم ألحانًا متنوعة عميقة تنبض بالحياة. استطاع أن يقدم ألحانًا لأكبر الأسماء في عالم الغناء العربي، وجعل هذه الألحان تمزج بين القوة والعاطفة، وبين الأصالة والحداثة. هذه المزاوجة جعلت أعماله قادرة على مخاطبة شرائح واسعة من الجمهور العربي بمختلف توجهاتهم وأذواقهم.
ورغم ما قوبل به من بعض الانتقادات التي اعتبرت ألحانه تميل أحيانًا إلى التكرار أو إلى اعتماد نمط واحد في التوزيع الموسيقي، رد ملحم على هذه الانتقادات بفلسفته الخاصة في الفن، حيث قال إن موسيقاه نابعة من إحساسه العميق والمباشر، بعيدًا عن التكلف أو السعي وراء التجديد المفتعل. كانت ألحانه تعبيرًا عن الإحساس الداخلي، وتأكيدًا على أصالة فنه الذي يختلف عن كل ما هو سائد.
الصوت: وسيلة لإيصال المشاعر
من أبرز ملامح قوة ملحم بركات كان صوته المميز. كان صوته العاطفي، القوي، والمليء بالشجن مكّنه من تقديم أغنيات تتسم بقدرة استثنائية على التعبير عن المشاعر. كانت أغانيه لا تقتصر على مجرد كلمات، بل كانت تجسد قصصًا إنسانية وحكايات من صميم القلب. قدرته الفائقة على نقل الأحاسيس عبر صوته جعلته واحدًا من أعظم الأصوات في تاريخ الموسيقى العربية، حيث كان قادرًا على إثارة شجن المستمعين وإيصال أعمق المشاعر.
لكن رغم هذه القوة، كانت بعض ملاحظات النقاد تشير إلى ميله أحيانًا لاستعراض قوته الصوتية على حساب الأداء التفصيلي في بعض الأحيان، وهو ما قد يُفهم على أنه محاولة لفرض شخصية فنية مهيمنة. لكن في النهاية، لم تؤثر هذه الانتقادات في جمهوره الذي ظل يعتبره واحدًا من أبرز الأصوات في تاريخ الفن العربي.
شخصية فنية متمردة
لم يكن ملحم بركات فنانًا تقليديًا، بل كان شخصية فنية مثيرة للجدل، معروفة بصراحتها وآرائها الجريئة. كانت له مواقف حاسمة في العديد من القضايا الفنية والثقافية، فقد رفض الانصياع لما وصفه بتراجع الذوق الموسيقي العربي، وانتقد بشدة بعض الأنماط الموسيقية الجديدة التي كانت تُعتبر شائعة في تلك الفترة، مؤكدًا أنها تسطح الأغنية وتفقدها عمقها.
هذا التمرد الفني جعله شخصية معقدة؛ فقد كان من جهة محبوبًا لجمهوره الذي كان ينظر إليه كرمز للثقافة اللبنانية والفن الراقي، ومن جهة أخرى، كان يُعتبر في أحيان كثيرة شخصية صعبة أو غير قابلة للتفاهم من قبل البعض في الوسط الفني. ورغم هذا، ظل ملحم بركات أحد الأسماء التي لا يمكن تخطيها في تاريخ الموسيقى العربية.
إرث خالد في الموسيقى
اليوم، وبعد مرور سنوات على رحيله، يظل إرث ملحم بركات الموسيقي حاضرًا بقوة في ذاكرة الناس كجزء من وجدانهم الثقافي. كانت موسيقاه، أغانيه، وألحانه انعكاسًا لرؤية موسيقية ثقافية سعت إلى الحفاظ على هوية لبنان وتراثه. لم تكن موسيقاه مجرد أغانٍ، بل كانت تجسد الهوية الثقافية اللبنانية، وتُعد شهادة حية على عصر من الإبداع الفني الخالص الذي لم يُشوه بالتجارب السطحية.
ملحم بركات ليس فقط موسيقارًا أو مغنيًا، بل هو رمز من رموز الثقافة اللبنانية، كان يحمل في قلبه رسالة فنية، تفوق حدود الزمن والمكان. وعبّر عن هذه الرسالة بصدق، ولم يهادن في سعيه نحو تقديم فنٍ ينبض بالهوية والصدق. إرثه ليس مجرد مجموعة من الألحان، بل هو فلسفة موسيقية تطرح أسئلة حول العلاقة بين الفن والهوية، بين الإبداع والتقاليد، وبين الأصالة والتجديد.
في الختام
ملحم بركات هو التجسيد الحي لفكرة أن الفن يمكن أن يكون مرآة للوطن. كان يمثل من خلال أعماله الهوية الثقافية اللبنانية، وكان دائمًا يسعى لتقديم فنٍ يعكس انتماءه لوطنه وتاريخه. إرثه سيظل خالدًا في ذاكرة الفن العربي، وصوته سيظل يتردد في القلوب كجزء لا يُنسى من تاريخ الفن اللبناني والعربي.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment