Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

أغنية “تبكي الطيور” لوائل كفوري : صوت يترجم معاناة الكلمات – شربل الغاوي

الفنان وائل كفوري

أغنية “تبكي الطيور” لوائل كفوري : صوت يترجم معاناة الكلمات

تعد أغنية “تبكي الطيور” لوائل كفوري واحدة من الأغاني التي مزجت بين الإبداع الفني والمشاعر العاطفية العميقة. وكعادة وائل كفوري، أظهر في هذه الأغنية قدراته الصوتية العالية والأداء العاطفي الذي يعكس معاناته وشجنه. إن الأغنية، التي كتب كلماتها الصحفي والكاتب السعودي تركي السديري، ولحنها الملحن والممثل والمطرب والكاتب التركي سلامة شاهين، هي مزيج من الحزن والألم، وتحمل في طياتها العديد من الرموز الشعرية والموسيقى التي يمكن تحليلها بعمق لتفهم أكثر معانيها وأثرها العاطفي.

الجانب الأدبي: كلمات الأغنية

كلمات “تبكي الطيور” تعكس بشكل صريح مشاعر الفقد والحزن، حيث تبدأ الأغنية بعبارة “تبكي الطيور تذبل زهور”، وهي استعارة تُستخدم لوصف الحزن الشديد الذي يؤثر على كل شيء في الحياة، حتى الطبيعة نفسها، التي ترتبط عادة بالزهو والجمال. هذه الصورة الشعرية تضع المستمع في حالة من الترقب لما سيأتي، وتمنح الأغنية طابعًا دراميًا فورياً.

البيت التالي “ترحل شموس ويبقى ظلام”، يعزز فكرة الخسارة ويقدم التناقض بين الضوء والظلام، إذ يُظهر أن الضوء (الذي قد يرمز إلى الأمل أو السعادة) يغادر، ليحل مكانه الظلام الذي يعكس الحزن واليأس. هذه الصورة توضح بصدق حالة النفس البشرية حينما تتعرض للألم العاطفي والفقد.

أما في “ضاع الكلام والله حرام”، فإن الشاعر يعبر عن مشاعر الاستفهام والندم، حيث يوضح أن الكلمات أصبحت غير قادرة على التعبير عن حجم الألم. هذه الكلمات تشير إلى تعبير اللسان الذي يخفق في نقل مشاعر عميقة، مما يُعمّق الشعور بالعجز.

ولكن، رغم قوة هذه الصور الشعرية، قد يرى البعض أن التكرار المتكرر لعبارة “أجمع جروحي همي و نوحي” قد يؤدي إلى نوع من المبالغة العاطفية، ويقلل من عمق تأثير الكلمات في بعض الأحيان. صحيح أن العاطفة هي أساس هذه الأغنية، لكن الإفراط في التركيز عليها قد يجعل من الأغنية أقرب إلى التكرار الأدبي الذي يفتقر إلى التنوع.

الجانب الموسيقي: اللحن والإيقاع

الملحن سلامة شاهين اختار لحنًا ينسجم بشكل مثالي مع طبيعة الكلمات والأحاسيس التي تنقلها الأغنية. يعتمد اللحن على الإيقاع البطئ الذي يعزز الشعور بالعزلة والفقد، وهو عنصر يتناغم مع تعبيرات الشاعر عن الحزن. الموسيقى لا تشتت الانتباه، بل تتناغم مع كلمات الأغنية، مما يتيح للمستمع التركيز الكامل على الأحاسيس التي تقدمها.

إلا أن بعض النقاد قد يرون أن اللحن يفتقر إلى التنوع الموسيقي، حيث يتم تقديمه بشكل تقليدي جدًا بالنسبة لأغنيات وائل كفوري، وهو ما يمكن أن يُضعف من تأثيره مع الاستماع المتكرر. الإيقاع الهادئ والشاعري في الأغنية يعزز المأساة التي تعيشها الشخصية في الأغنية، لكنه في ذات الوقت يفتقد إلى بعض الابتكار الذي قد يضيف عمقًا أكبر للعمل الفني.

الأداء الصوتي

أداء وائل كفوري في هذه الأغنية هو ما يجعلها تلامس القلوب، فهو يجسد بكل قوة مشاعر الحزن والألم التي تحملها الكلمات. كما أن صوت وائل، القوي والعاطفي، يتناسب تمامًا مع الصعوبة الصوتية للأغنية، التي تتطلب طبقات صوتية عالية ومهارات فنية لا يتقنها الكثير من الفنانين. وائل كفوري لم يقتصر على الأداء الصوتي فقط، بل أضاف لمسته الشخصية من خلال تحكمه الدقيق في التنقل بين الطبقات الصوتية، مما منح الأغنية جاذبية خاصة.

لكن، في ذات الوقت، قد يشعر البعض أن وائل كفوري وقع في دائرة التكرار العاطفي الذي اشتهر به في أغانيه، حيث تميل معظم أغانيه ذات الطابع الحزين إلى الاعتماد على نفس أسلوب الأداء. ورغم أن الأداء يبقى قويًا ومؤثرًا، إلا أن تكرار هذه الطريقة قد يجعلها أقل تأثيرًا في بعض الأحيان.

الجانب العاطفي والإحساس

أغنية “تبكي الطيور” تلامس عمق المشاعر الإنسانية، حيث يتجسد فيها الحزن العميق والشعور بالفقد. كلمات الأغنية، مثل “همي كبير كبر الجبال، جرحي عميق عمق البحار”، تعبر عن الألم بطرق مؤثرة لكنها قد تبدو في بعض الأحيان مفرطة في تعبيراتها عن الحزن. هذا النوع من التعبير العاطفي يُشعر المستمع بألم البطل في الأغنية، لكن قد يشعر البعض أحيانًا أن هذا التكرار العاطفي يعوق فهم التفاصيل الدقيقة للمشاعر.

رغم ذلك، تبقى الأغنية واحدة من الأعمال التي تتمكن من نقل تجربة حزن شديدة بتفاصيلها الدقيقة، مما يجعلها متصلة بمشاعر الجمهور بشكل فوري. تأثير الأغنية لا يتوقف عند الكلمات أو اللحن، بل يتغلغل في عمق النفس، ويمنح المستمعين فرصة للتعبير عن حزنهم الخاص من خلال صوت وائل كفوري المميز.

الاختيار الفني

اختيار وائل كفوري لأداء “تبكي الطيور” كان خطوة فنية محسوبة من الشاعر تركي السديري. فالأغنية ليست فقط بحاجة إلى صوت قوي، بل إلى قدرة على الوصول إلى الطبقات الصوتية العالية، ما يجعل من كفوري الخيار الأنسب. رغم أن العديد من الفنانين حاولوا أداء الأغنية قبل وائل كفوري، إلا أن الشاعر لم يقبل بهم بسبب صعوبة الأغنية، وهو ما يوضح أهمية الاختيار الفني الذي وقع على وائل كفوري.

الخلاصة

في النهاية، تظل “تبكي الطيور” واحدة من أبرز أغاني وائل كفوري، حيث تُظهر قدراته الصوتية العميقة والأداء العاطفي الذي يتناسب مع كلمات الأغنية الحزينة. رغم بعض المبالغات العاطفية والتكرار في التعبير عن الحزن، تبقى الأغنية نموذجًا فنيًا قويًا يجمع بين الشعر والموسيقى والصوت ليخلق تأثيرًا عاطفيًا مباشرًا، ويجعلها من الأغاني التي تظل في ذاكرة المستمع.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment