
بين الكلمة واللحن: حكاية نزار فرنسيس و سمير صفير
هناك فنانون لا يصنعون الأغنيات فحسب، بل يخلقون عوالم نعيش فيها، نحزن، نفرح، ونتأمل. نزار فرنسيس وسمير صفير هما من هؤلاء المبدعين الذين تجاوزت أعمالهم حدود الزمن. عندما تتلاقى كلمات تحمل دفء الحنين مع ألحان تمزج القوة بالرقة، تكون النتيجة مزيجًا فنيًا خالدًا يتردد في أعماق الوجدان.
“وقفت وما بدي أوصف الوقفةِ… وقفة بريء بحكم إعدامه”، كلمات تختصر لحظات المواجهة بين الإنسان وقدره، تلك اللحظات التي يتجلى فيها الضعف بأبهى صورة. تأتي ألحان سمير صفير لتكمل الحكاية، فتأخذ المستمع في رحلة موسيقية تجعل الصمت في تلك الوقفة يتكلم، ويكشف عن مشاعر لا تُقال.
“لو تعرف على قلبي غلاك، بتعذر حنيني”، هي ليست مجرد كلمات، بل رسالة حب تمتزج فيها الكبرياء بالضعف، حيث لا تستطيع العين أن تغمض دون رؤية الحبيب. ولحن سمير هنا يروي القصة كما لو كان هو الآخر عاشقًا، يهمس مع كل نغمة ويحكي عن شوق لا ينتهي.
“عصفور عندي بالقفص بردان… معود عليك وكترت جراحه”، استعارة تُظهر كيف يمكن أن يتحول الحنين إلى سجن. الكلمات تشبه قصيدة حرة تصف ألم الفقد دون مبالغة، فيما تضيف الألحان طابعًا دراميًا يمزج بين الحزن والحب.
سمير صفير، بما يمتلكه من قدرة على إبداع ألحان تأسر القلب، أجاد دائمًا في تقديم موسيقى تُبرز الكلمات وتحاكيها. ألحانه تُحلق بين العاطفة العميقة والإيقاعات الجريئة، تصنع الجسر بين النصوص الشعرية والأحاسيس البشرية. أما نزار فرنسيس، فقد أثبت أنه شاعرٌ يفهم نبض الحياة، يلتقط التفاصيل الصغيرة ويحوّلها إلى كلمات تجعلنا نبتسم أحيانًا ونبكي أحيانًا أخرى.
“ما فينا نغير ولا كلمة… مكتوب علينا المشوار”، هذه العبارة تختزل فلسفة الحياة التي تتكرر في كلمات نزار، حيث يواجه الإنسان مصيره بتسليم كامل. تأتي الموسيقى هنا لتحكي القصة على طريقتها، بإيقاع يُشبه خطوات تمضي على درب لا عودة فيه، وكأنها موسيقى للزمن نفسه.
“قلبي اللي عمره ما عرف ضعفي، ورقة خريف سقَطِت قدامه”، مشهد يعبر عن التناقض بين القوة والانكسار، حيث تنهار الكرامة أمام الحب. في هذا المشهد، يبدو أن الكلمات وحدها غير كافية لتوصيل الإحساس، فتأتي الألحان وكأنها تكمل ما لم تقله الحروف.
“دار السيف رموشك أمضى، كل همومي إنك ترضى”، هنا يُبرز نزار فرنسيس صورة الحبيب الذي يتحول إلى قدر، يصيب القلب في أعماقه ويجعله أسيرًا له. ألحان سمير تجعل من هذه الكلمات سيفًا آخر، تُضاعف تأثيرها وتزرعها في قلب المستمع بلا استئذان.
لم يكن عمل هذا الثنائي محصورًا في إطار الحب فقط، بل تجاوز ذلك ليعكس واقع الحياة بكل تفاصيله. “مهلك يا حب عليّ، أنا مش قادر على بعدا”، جملة تحمل في طياتها توسلات من عاشق لا يستطيع مواجهة الوحدة. الموسيقى هنا تتماهى مع الكلمات، فتجعل الألم صوتًا مسموعًا يصل إلى القلب مباشرة.
أعمال نزار فرنسيس وسمير صفير ليست مجرد أغانٍ تُغنى وتُنسى، بل هي قصائد ولدت لتبقى، تحمل عبق الماضي وتأسرنا كلما عادت إلى مسامعنا. استطاع هذا الثنائي أن يجعل من كل أغنية لوحة فنية تعكس ألوان الحياة بتناقضاتها، حيث الفرح يتداخل مع الحزن، واللقاء يشتاق إلى الفراق، لتبقى هذه الأعمال مرآة صادقة للمشاعر الإنسانية.
في النهاية، نزار فرنسيس وسمير صفير ليسا مجرد أسماء في عالم الموسيقى، بل هما رمز للإبداع الذي لا يعرف حدودًا. الكلمة عند نزار هي وعد بالحياة، واللحن عند سمير هو نبض يُحيي الكلمة، وحين يجتمعان، يولد الفن الحقيقي الذي يلامس الروح ويبقى خالدًا عبر الأجيال.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment