Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

كارول سماحة : النفس كما لم نسمعه من قبل – شربل الغاوي

الفنانة كارول سماحة

كارول سماحة : النفس كما لم نسمعه من قبل

الحبُّ ليس حدثًا عابرًا ولا حكاية تُسرد على عجل؛ إنه تجربة وجدانية تنبض في عمق الروح، تلامس أدق تفاصيل الوجود، وتحوِّل الحياة إلى قصيدة تنبض بالمشاعر. في أغنيتها “نَفَس”، تقدِّم كارول سماحة عملاً فنيًا يأخذنا إلى حيث تتماهى الحروف مع النغمات، ويصبح الحبُّ لغةً كونية تنطق بها الأرواح قبل الألسن.

كارول، الفنانة التي تتقن تحويل العاطفة إلى موسيقى، لا تكتفي بالغناء، بل تنسج الكلمات واللحن كرسائل حية تصل إلى أعماق المستمع. في “نَفَس”، تُظهر كارول عبقرية فنية مبهرة؛ فهي ليست مجرد صوتٍ جميل، بل هي شاعرة الروح التي تعيد صياغة الحبّ كعصب وجودي، ضرورة بقاء، وشرط حياة.

بهذا العمل، تنقلنا كارول إلى عالمٍ مفعمٍ بالشغف والعمق، حيث يصبح الحبيب وطنًا والنَفَس أمانًا، لتبقى الأغنية شاهدة على قدرة الفن على التعبير عن أسمى معاني الحب.

مدخل إلى عالم الحبّ العلاجي

ونحنا لبعض متل الدوا، نمسح دمعاتنا الحزينة، وننسى قصصنا القديمة

بهذه الكلمات، تفتح كارول بابًا إلى بعدٍ مختلف للحبّ، حيث يتجاوز كونه عاطفةً ليصبح علاجًا لجراح الماضي. الحب هنا ليس مجرّد شعورٍ، بل شفاءٌ يعيد صياغة الأرواح المثقلة بالذكريات الحزينة، ليخلق حكايات جديدة تحمل طاقة الأمل والتجدد. كلمات كارول تشبه ضوءًا يخترق عتمة الألم، ويعيد للأرواح قدرتها على العيش بحرية.

الاندماج بين الذات والآخر: الاحتلال العاطفي

فوتي بقلبي واحتلي، مطرح لإلك وضلي، رح قفل وراكي لا تفلي

تصوغ كارول مفهومًا للحبّ يتخطى التملك ليصل إلى الاندماج الكامل. الحبيب هنا ليس مجرد شخص، بل هو روح تتحد مع الأخرى لتصبحا كيانًا واحدًا. تصف كارول هذا الحب كـ”احتلال روحي”، حيث يغلق العاشق الأبواب خلف من يحب، ليس خوفًا من الرحيل، بل ضمانًا للسكينة الأبدية. الحب في هذه الصورة هو عهدٌ أبدي، يحتضن الشغف والالتزام دون قيود.

النفس والحياة: الحب كعصب وجودي

نفس، نفس، نفس، قلبي وقف ياخد نفس

تكرار كلمة “نَفَس” يجعل الأغنية أشبه بنبضٍ شعري متصاعد. في هذه العبارة، يصبح الحب ضرورةً لا تقل عن النفس الذي يحفظ الحياة. كارول تجعلنا نرى الحبيب كأكسجين القلب، كشرط لاستمرارية الوجود. هذه الكلمات البسيطة تحمل في طياتها أعمق معاني الارتباط، حيث يصبح الحب ليس اختيارًا، بل استسلامًا وجوديًا لا يمكن الفكاك منه.

ذكريات الحب الأولى: رمزية اللمسات الأولى

بتذكر لما سهرنا عنا، كيف خبينا مشاعرنا، تحت الطاولة نلمس إيدينا

تأخذنا كارول إلى لحظات الحبّ الأولى، تلك اللحظات التي تحمل في طياتها الحنين والخجل والرغبة. تصف هذه المشاعر كقصائد صغيرة تُكتب في ذاكرة العشاق، حيث تصبح لمسة اليد لغةً تفيض بالرغبة العذبة والصمت البليغ. هنا، تتحوّل التفاصيل البسيطة إلى رموزٍ خالدة تروي قصة الحبّ بعمقٍ وسحر.

الأرض تدور بحبّهما: عوالم الحواس

إضحكتلي ولمساتك لما إتخجلني، متل الطفل إنكشف سري، والأرض تلف حواليي

في هذه الصورة الشعرية، ترتقي كارول بالحبيب إلى مركز الكون. الحبّ هنا يعيد صياغة العالم، حيث يصبح دوران الأرض انعكاسًا للعاطفة المتدفقة بين الحبيبين. تصف كارول كيف يكشف الحبيب عن أنقى مشاعرها، تلك التي تشبه براءة الطفل. الحب هنا ليس مجرد شعور، بل هو تجربة تُعيد ترتيب العالم ليصبح كل شيء في الحياة رقصًا حول محور العشق.

الشعور بالحب كسجن لذيذ

من يوما حبك جوة قلبي انحبس

تحوّل كارول مفهوم السجن إلى استعارة عن الانتماء. الحبّ في هذه الصورة هو قيد اختياري، مساحة يجد فيها القلب حريته وانتماءه. بكلماتها البسيطة، تروي كارول كيف يصبح العاشق أسيرًا سعيدًا في فضاءٍ لا يطلب الهروب منه، لأن هذا السجن هو عالمه الجديد، حيث الأمان والسكينة.

كارول سماحة: فنانة تصوغ الحبّ بلغة الروح

في أغنية “نَفَس”، تُبرز كارول سماحة قدرتها على تحويل الأحاسيس إلى عملٍ فنيّ متكامل. ليست فقط مغنية تؤدي، بل هي مبدعة تنسج الكلمات والألحان برؤية تحمل بصمتها الخاصة. الأغنية ليست مجرد عمل موسيقي، بل هي تجربة وجدانية تلخّص معاني الحبّ بتفاصيله الإنسانية العميقة.

نجحت كارول في “نَفَس” في تقديم عملٍ يتجاوز حدود الفن التقليدي، ليصبح انعكاسًا لتجربة إنسانية شاملة. الحب في هذه الأغنية هو الروح، الحياة، والنَفَس الذي يحيي القلوب. “نَفَس” ليست مجرد أغنية؛ إنها انعكاس لرؤية فنانة تفهم الحب بكل أبعاده، وتُجسّده كقصيدة خالدة تُغنّى للأبد.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment