
ختام اللحام : سيدة الحكايا الدرامية
في عالمٍ تُرسم فيه الشخصيات بالكلمات، هناك فنانة لا تكتفي بأن تلبس ثوب الدور، بل تصب روحها في أدق تفاصيله، حتى تبدو وكأنها هي من صنعته بيديها. ختام اللحام ليست مجرد ممثلة عابرة، بل حالة فنية استثنائية، تتجاوز حدود التمثيل لتصبح علامة فارقة في تاريخ الدراما اللبنانية والعربية.
في كل عملٍ تشارك فيه، تزرع ختام بذوراً من الإبداع، تنمو في أعماقنا كذكريات لا تموت. إنها ليست مجرد جزء من النص، بل روح تسري فيه لتحوله من كلمات مكتوبة إلى حكايات حية تعيش في عقول المشاهدين. في أدوارها، تحمل مزيجاً مدهشاً من القسوة والرقة، من الألم والقوة، لتجعل من كل شخصية تجربة شعورية لا يمكن تجاهلها.
ختام اللحام هي تلك الفنانة التي تعيد تعريف فكرة التمثيل، حيث يتحول الأداء إلى انعكاس عميق للحياة بكل تناقضاتها. أدوارها ليست مجرد مشاهد تُشاهد، بل هي رحلة في أعماق النفس البشرية، تنقلنا من الألم إلى الفرح، ومن الكراهية إلى التعاطف، في لحظة واحدة.
الموهبة التي تتحدى القوالب
منذ بدايتها، كسرت ختام اللحام الحدود التقليدية التي تُفرض على الممثلات، وخلقت لنفسها هوية فنية مستقلة. يقول البعض إنها تجيد أدوار الأم المعذبة أو المرأة ذات السلطة، لكن الحقيقة أن ختام تتجاوز هذه القوالب، لتقدم كل شخصية كلوحة فنية منفردة.
ختام ليست ممثلة تكرر نفسها، بل فنانة تتقن اللعب على أوتار النفس البشرية، وتخلق من كل دور حكاية جديدة تحمل بصمتها الفريدة. في كل مرة تظهر على الشاشة، تجلب معها عاصفة من المشاعر المتداخلة، وتثبت أن الأداء الفني يمكن أن يكون أكثر من مجرد تمثيل؛ يمكن أن يكون فناً يعبر الحدود ويلامس الأرواح.
أم شاهين … قسوة الأمومة وصراعها
في الهيبة، لم تكن “أم شاهين” مجرد أم متسلطة، بل كانت تجسيداً حيّاً لصراع الأمومة في أقسى أشكالها. ختام اللحام صنعت من هذه الشخصية لوحة متكاملة، مزجت فيها القسوة الظاهرة مع الحنان المكبوت، والخوف مع الرغبة في السيطرة.
شاهدنا “أم شاهين” وهي تفرض سلطتها على ابنها، تقسو عليه لدرجة تجعل المشاهد يكرهها، لكنه في الوقت نفسه، لا يستطيع أن يغض الطرف عن وجعها الداخلي. كانت هذه الشخصية انعكاساً لمعاناة أم فقدت زوجها وعاشت في ظل الخوف من فقدان ابنها أيضاً. ختام لم تقدم القسوة كعنصر منفصل، بل جعلتها جزءاً من معركة عاطفية عميقة، حيث تختلط مشاعر الحب مع الضعف والخوف، في أداء يجعل المشاهد يغوص في أعماق الشخصية ويرى ما وراء القناع.
بركيل … حين يصبح الشر إنسانياً
أما في مسلسل لغز الأقوياء، فكانت شخصية “بركيل” دليلاً آخر على عبقرية ختام اللحام. هذه المرأة، التي تقود عالم الجريمة بلا رحمة، لم تكن مجرد شريرة عادية. ختام جعلت من “بركيل” شخصية تحمل ماضياً مشحوناً بالوجع، حتى أن أفعالها الإجرامية بدت كصرخة احتجاج على ما عاشته من قهر وظلم.
بركيل لم تكن زعيمة عصابة فحسب، بل كانت إنسانة تحمل بين طيات ماضيها جروحاً دفينة. ختام استطاعت أن تجعل المشاهد يتساءل: هل هي فعلاً مجرمة، أم أنها ضحية تحولت إلى جلاد؟ هذا التناقض العميق هو ما يميز أدوار ختام، التي تجعل حتى الشخصيات السلبية تبدو إنسانية، وتجبر المشاهد على إعادة التفكير في أحكامه المسبقة.
فلسفة الأداء عند ختام اللحام
ختام اللحام ليست مجرد ممثلة تؤدي النصوص المكتوبة لها. إنها تعيد بناء الشخصيات من جديد، كأنها تصوغها بيديها. إنها ترى في كل كلمة فرصة لاكتشاف أبعاد جديدة، وتمنح لكل مشهد معنى أعمق مما يظهر على السطح.
من الأم التي تخفي حنانها خلف صرامتها، إلى زعيمة الجريمة التي تبرر شرها بجروح ماضيها، تخطت ختام حدود التمثيل التقليدي، وابتكرت أسلوباً يجعل المشاهد يرى الإنسان الحقيقي في كل شخصية، مهما كانت معقدة أو قاسية.
المرأة التي تحمل الحكاية
ختام اللحام ليست جزءاً من الحكاية، بل هي الحكاية نفسها. في كل دور تؤديه، تتحول إلى مركز الثقل الذي يدور حوله العمل بأكمله. ليست مجرد ممثلة تلعب دوراً، بل هي روح تسكن كل شخصية، وتمنحها حياة لا يمكن أن تُنسى.
إن وجود ختام في أي عمل درامي يعني أنه عمل يستحق المشاهدة. فهي قادرة على تحويل النصوص البسيطة إلى تحف فنية، والنصوص القوية إلى أعمال خالدة.
رسالة ختام إلى الجمهور
ختام اللحام ليست مجرد فنانة تسعى وراء الشهرة، بل هي امرأة تحمل رسالة عميقة. شخصياتها تخاطب أرواحنا، وتجعلنا نتأمل في معاني الحب، الألم، الصراع، والقوة. هي ليست فقط رمزاً للتجدد الفني، بل هي شهادة على أن الفن الحقيقي يمكن أن يكون مرآة تعكس الحياة بكل تناقضاتها.
ختام اللحام، شكراً لأنك لست فقط ممثلة، بل لأنك تجربة إنسانية تجعلنا نؤمن بأن الحكايات لا تنتهي، بل تعيش في كل مرة يظهر فيها فنان حقيقي مثلك. شكراً لأنك أعدت تعريف الدراما، وجعلت من الشاشة نافذة تطل على أعماقنا نحن، وتخبرنا أن الإنسان، بكل ضعفه وقوته، هو أجمل حكاية يمكن أن تُروى.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment