Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

روجيه فغالي : كتب بحبر الدم… صرخة وطن من بيروت – شربل الغاوي

الشاعر روجيه فغالي

روجيه فغالي : كتب بحبر الدم… صرخة وطن من بيروت

حين يكتب الشاعر بحبر روحه، لا تبقى كلماته مجرد حروف مرصوفة، بل تتحوّل إلى ذاكرة وطن، وإلى مرآة تعكس وجعه وأمله، انكساره وصموده، ماضيه وحاضره ومستقبله. روجيه فغالي، شقيق الشحرورة صباح، لم يكن مجرد شاعر يكتب قصائد عابرة تُنسى مع مرور الزمن، بل كان صوتًا متجذرًا في الأرض التي عشقها، ينطق بأوجاعها كما ينطق بأحلامها، ويصرخ بحقيقتها كما يهمس بأملها.

لم يكن شعره مجرد ترف لغوي أو إبداع فني، بل كان مقاومة من نوع آخر، سلاحًا في وجه النسيان، ونداءً لا يخبو في زحمة الأيام. كتب لبنان بحروف قلبه، فلم يكن الوطن عنده جغرافيا مرسومة على الخريطة، بل كان كيانًا نابضًا بالحياة، ينزف حين ينزف أبناؤه، ويقاوم حين يقاومون، ويحلم حين يحلمون.

في كلماته كان الوجع حاضرًا، لكنه لم يكن استسلامًا، بل كان تمردًا على الواقع، رفضًا للخذلان، وانتصارًا للحق. وفي أشعاره كانت المقاومة حاضرة، لكنها لم تكن صرخة غضب فقط، بل كانت صرخة حب أيضًا، حب بحجم الوطن الذي أرادوه منفيًا، لكنه ظلّ حيًا في صدور أبنائه.

لم يكن روجيه فغالي شاعرًا ينظر إلى لبنان من بعيد، بل كان جزءًا من نبضه، يسمع أنينه في كل بيت، ويلتقط وجعه من عيون أطفاله، ويراه ينعكس في وجوه أمهاته الثكالى وآبائه المكسورين، وشبابه الذين حملوا الحلم ورحلوا، أو بقوا ليصارعوا اليأس بأظافرهم العارية.

لم يكن صوته مجرد صوت، كان ذاكرة وطنٍ تأبى أن تُمحى، كان جرحًا مفتوحًا لا يقبل الضماد، كان نشيدًا يردده كل من أحبّوا لبنان كما يجب أن يكون، لا كما أرادوا له أن يكون.

في أربع محطات غنائية، حملت كلماته أصوات نجوم كبار، فجاءت كالأيقونات المنحوتة في الوجدان. بين بيروت الجريحة، والوطن الممزّق، والغربة داخل الديار، والإيمان الذي يبقى الملاذ الأخير، رسم روجيه فغالي صورةً للبنان كما رآه، وكما أراد له أن يكون.

لم تكن كلماته مجرد أبياتٍ موزونة، بل كانت نبضًا حيًا، وصرخةً في وجه النسيان، ونداءً للوطن كي ينهض من تحت الرماد. أربع قصائد تحوّلت إلى أغانٍ خالدة، تردّدها الألسن وتستعيدها القلوب كلّما ضاقت المساحات بالوطن وأبنائه، كلّما شعر اللبناني بالغربة على أرضه، أو خنقته مرارة الانقسام، أو تاه عن إيمانه ببلاده.

في هذه السطور، نغوص في عمق كلماته، نسمع نبضها، ونلمس حرارتها، لنشهد كيف تتحوّل المعاناة إلى فن، والأنين إلى نشيد، والحزن إلى ثورة.

بيروت… مدينة لا تموت

حين تنهار المدن تحت ثقل الحروب، تظلّ بيروت استثناءً، مدينةً عصيّة على الموت، تُبعث من تحت الرماد، وتلملم جراحها كلما اعتقدوا أنها انتهت. في الأغنية التي أدّتها نجوى كرم، رسم فغالي ملامح بيروت التي تأبى أن تنكسر، بيروت التي وإن طالها الخراب، تبقى أكبر من دمارها.

طلّوا البوارج بالبحر، صوتن هدر

وصلوا يعزّوا بعد ما ضجّ الخبر

في مشهدٍ حيّ نابض، يضعنا فغالي أمام بحرٍ يصرخ شاهداً على المأساة، فيما تأتي المواساة متأخرة، حين يكون الحزن قد استوطن القلوب. لكن بيروت ليست مدينةً تُدفن، فهي تعرف طريقها إلى القيامة، كما المسيح الذي لم يبقَ في القبر

فتّشوا عالقبر، ما بين الحجار

بيروت… دحرجت عنها الحجر

إنها بيروت التي لا تستسلم، لا تهزمها الحروب، ولا تطفئ وهجها النكبات، لأنها ببساطة مدينةٌ كُتب لها الخلود.

قصة وطن… الانقسام الذي قتل الحلم

في “قصة وطن”، التي أدّاها ناجي الأسطا، يفتح فغالي جرح لبنان النازف، ذاك الوطن الذي كان حلمًا مقدسًا، لكنه تحوّل إلى ساحة انقسام وصراع.

أمَر الله وبرمشة عين عمّر

كواكب لا بتنام ولا بتسهر

رسم لبنان صورة عن خيالو

رَمى المفتاح والأبواب سكّر

لبنان في خيال الشاعر كان مشروعًا إلهيًا، فكرةً صافيةً نزلت من السماء، لكنه سرعان ما تحوّل إلى ساحةٍ للدماء والخناجر.

بكَفّو معبد الأصنام كسّر

يستحضر فغالي المسيح الذي جاء برسالة المحبة، ويذكر النبي محمد بقلبه الطاهر، لكنهما لم يكونا كافيين لإنقاذ لبنان من سطوة الانقسام. الوطن الذي كان من المفترض أن يكون رسالة سلام، أصبح ساحة معركة بين إخوته

انقسمنا محمد وبطرس وأنور

قتلنا فرحتو وحرقنا تلالو

زرعنا بكل أرزي ألف خنجر

لبنان الذي كان حلمًا مقدسًا، تمزّق بأيدي أبنائه، وكأنهم رفضوا النعمة التي مُنحت لهم. لكنها ليست نهاية القصة، بل دعوةٌ لأن يُدرك اللبنانيون أن الوطن لا يُبنى بالخناجر، بل بالتسامح، لا يُصان بالحروب، بل بالمحبة.

ليش مغرّب… غربة في عقر الدار

في “ليش مغرّب”، التي أدّتها نجوى كرم، لا يتحدّث فغالي عن الغربة الجغرافية، بل عن ذلك الشعور القاسي الذي يجعل الإنسان غريبًا في وطنه، غريبًا وهو لا يزال على أرضه، بين أهله، لكنه يشعر وكأنه منفيّ داخل الحدود.

وبتسألني ليش مغرّب

وعايش وحيد

بأرض بلادي عشت معذب

شو طالع بالايد؟

حين يصبح الوطن قاسيًا على أبنائه، لا يعود الخروج منه خيارًا، بل يصبح قدرًا، لأن ما تبقى لهم ليس سوى الخذلان والوجع. الفقر، الجوع، الحرمان، كلها تتحوّل إلى يومياتٍ قاسية، كما يختصرها فغالي في هذه الكلمات

جعنا ما سألونا، و تنسأل ممنوع

قصدن يطعمونا، شبعونا دموع

وهل هناك قهرٌ أشدّ من أن يكون الطعام حلمًا، والدواء ترفًا، والتعليم أمنيةً بعيدة المنال؟

كتب ولادي كانو همي

الدوا غالي لوجع أمي

كان حقو أغلى من دمي

لبست تياب السود

هنا، تتحوّل القصيدة إلى مرآة لحقيقة مريرة يعيشها كثيرون، لكنها أيضًا صرخةٌ في وجه من أرادوا أن يكون اللبنانيون غرباء في أرضهم، ليذكّرهم بأن الوطن ليس سلعةً تُباع، ولا حلمًا يُدفن.

نحنا شعبك يا الله… الإيمان حين يصبح السلاح الأخير

في أغنية “نحنا شعبك يا الله”، التي أدّتها نجوى كرم، ترتفع الكلمات إلى مستوى الصلاة، وكأنها نداءٌ من شعبٍ مُنهك، لم يعد يملك سوى الإيمان ملاذًا أخيرًا.

الله زرع الأرزة وقلّا

تجلّي وكوني أرزة الله

هنا، لبنان ليس مجرد وطن، إنه رسالة، قدرٌ مرسوم في السماء، وصورة لا تشبه أي بلد آخر. وحين يتساءل فغالي

مينوّي الشعب المختار؟

نحنا… نحنا شعبك يا الله

فهو لا يسأل، بل يصرخ، يذكّر، يؤكّد أن هذا الشعب، رغم كل ما مرّ به، لم يفقد إيمانه بلبنان، ولم يتخلَّ عن جذوره التي تُشبه الأرز في صلابته.

شجر الأرز بكلّ الكون

بس بالأرز لعنّا هون

إنه لا يتحدّث عن الأشجار، بل عن الهوية، عن شعبٍ كُتب عليه أن يُقاتل للبقاء، أن ينهض كلما وقع، أن يُعيد بناء نفسه من تحت الركام.

روجيه فغالي… صوتٌ لا يموت

ليس كل شاعر يُكتب له الخلود، فالكلمات وحدها لا تكفي لتصنع أسطورة، بل الروح التي تُبعث فيها هي التي تجعلها تعيش في وجدان الناس جيلاً بعد جيل. وروجيه فغالي لم يكن مجرد كاتب أبياتٍ موزونة، بل كان شاعرًا بحجم وطن، يحمل وجعه في قلبه، ويجعل من كلماته سلاحًا في وجه النسيان، ومن قوافيه صرخةً لا تهدأ، تهزّ الضمائر وتوقظ القلوب الغافية على رماد الأمل.

لم يكن شاعرًا يجلس في برجٍ عاجي بعيدًا عن هموم الناس، بل كان ابن الأرض التي نبتت بين حروفه، وابن الشارع الذي حفظ صدى خطاه، وابن الدمع الذي سكن وجوه الأمهات الثكالى، وابن الغضب الذي انفجر في صدور الشباب الحالمين بغدٍ لم يأتِ بعد. كتب وجعهم، روى قصصهم، وجعل من كلماته جسرًا يصل بين القلوب، بين الماضي والحاضر، بين الألم والأمل.

كتب عن بيروت التي تأبى أن تموت، عن مدينةٍ تنفض الغبار عن كتفيها، وتنهض من تحت الركام كما تنهض العنقاء من رمادها، عن لبنان الذي تمزّق لكنه لم يسقط، عن بلدٍ حاولوا اغتياله ألف مرة، لكنه ظلّ واقفًا، يرمّم جراحه بصلابة أرزه، ويواجه الريح بلا خوف. كتب عن الإنسان الذي طعنته الحياة لكنه لم ينحنِ، عن الجائع الذي حوّل وجعه إلى صمود، عن المقهور الذي لم يستسلم، عن المغترب الذي حمل وطنه في حقيبته، وعن الباقي الذي زرع الأمل في أرضٍ حاولوا أن يجعلوها قاحلة.

روجيه فغالي لم يكن مجرد شاعر، كان ذاكرة وطنٍ تأبى أن تُمحى، كان قلب لبنان النابض وسط الضجيج، كان صوت الذين لم يجدوا منبرًا ليُسمعوا صوتهم، كان الحرف الذي قاوم، والصدى الذي لم يخفت، والنشيد الذي لن ينتهي.

حبره سيظلّ يرنّ في وجدان كل من عشق لبنان، ذاك الذي لم يمت ولن يموت.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment