
فادي أبي سمرا : نجم الأدوار الحادة والشر
المشكلجي – هكذا أصبح فادي أبي سمرا يُعرف في أدواره الدرامية التي تجاوزت حدود التمثيل التقليدي. لا يكفي أن تقول إنه يجيد أدوار الشر؛ ففادي ينسج من كل شخصية حالة إنسانية كاملة، يعيشها بعمق يجعل المشاهد متورطًا عاطفيًا بين النفور والإعجاب. بملامحه الحادة، ونظرته التي تحمل الغموض والقسوة، وإتقانه للتفاصيل الدقيقة، صنع لنفسه مكانة فريدة في مشهد الدراما اللبنانية والعربية، وأثبت أن “الشر” في التمثيل قد يكون نافذة واسعة لاستعراض أبعاد الإنسان وصراعاته.
البداية: “أبو حنش” في بيروت الغربية
في أول أدواره البارزة في فيلم بيروت الغربية
West Beirut
قدّم فادي أبي سمرا شخصية “درويش” أو “أبو حنش”، وهو رجل استغل الحرب ليصبح رمزًا للفوضى والسيطرة. كان هذا الدور بمثابة إعلان عن ولادة نجم يستطيع تجسيد الظلال النفسية للشخصيات المعقدة. بواقعية موجعة، أظهر فادي كيف يمكن للظروف أن تُحوِّل الإنسان إلى وحش. ومع كل حركة ونظرة، استطاع أن ينقل فوضى الحرب إلى داخل الشخصية، ليُثبّت أقدامه كممثل يُتقن الأدوار التي تتجاوز السطح لتغوص في العمق الإنساني.
الهيبة: حين يصبح “الشرير” محبوبًا
في مسلسل “الهيبة”, أطلّ فادي بدور “هولو”، زعيم العصابة الذي يفرض الإتاوات ويسرق السيارات. ورغم أن الدور كان من النمط التقليدي لشخصيات الشر، إلا أن فادي أعاد تشكيله ليخلق نموذجًا مميزًا للزعيم المتسلط، وأضاف بخفة أدائه لمسات فكاهية جعلت الشخصية أكثر قربًا إلى المشاهدين. تلك “الإيفيهات” المدهشة التي اختار أن يضيفها بين المشاهد الجدية أعطت الشخصية بُعدًا جديدًا، مُظهرةً قدرته على التلاعب بالمزاج الدرامي دون أن يُفقد الشخصية هيبتها أو ثقلها.
المشكلجي بأوجه مختلفة: من مسلسل ٢٠٢٠ إلى مسلسل من … إلى
لم تكن أدوار فادي متشابهة رغم تصنيفها تحت مظلة “الشر”. ففي مسلسل “2020”, ظهر كصاحب دكان يُثير المشاكل في الحي، محوّلاً شخصية صغيرة إلى عنصر فعّال في حبكة القصة. أما في مسلسل “من … إلى”, فقد عاد إلى عالم العصابات، ليقدّم شخصية “خليل”، التاجر المتورط في أعمال الخطف والتجارة غير المشروعة. ومع كل دور، كان فادي يثبت أن “الشر” ليس قالبًا ثابتًا بل حالة متغيرة تحمل تناقضاتها وصراعاتها الداخلية.
شتي يا بيروت وصالون زهرا: تحولات جذرية
في مسلسل “شتي يا بيروت”, لعب دور “وليد”، صاحب محطة البنزين الذي يخفي خلف مظهره العادي سلسلة من الأعمال المشبوهة. في هذا الدور، أبدع فادي في تصوير التوتر النفسي لشخص يحاول الحفاظ على توازنه بين الحياة الطبيعية وجحيم الخطيئة.
لكن التحول الأكبر جاء في مسلسل “صالون زهرا”. بدأ فادي بشخصية رجل عنيف يُسيطر على عائلته بالضرب والإهانة. ورغم أن هذا النمط من الشخصيات قد يبدو مألوفًا، إلا أن فادي أظهر في الجزء الثاني تحول الشخصية إلى حالة من الهدوء الداخلي. هذا الانتقال من القسوة إلى الهدوء كشف عن قدرة فادي على تقديم أدوار معقدة تُظهر التناقض البشري بشكل غير متوقع.
بين الفكاهة والقسوة: معادلة فنية فريدة
يمتلك فادي أبي سمرا موهبة استثنائية في التلاعب بمشاعر المشاهد. في لحظة واحدة، يمكنه أن يجعل الشرير يبدو كوميديًا دون أن يفقد مصداقيته. هذا التناقض المدروس يجعل الشخصيات التي يقدمها أكثر إنسانية، حيث يكسر رتابة “الشر المطلق” ويمنحها طابعًا واقعيًا. فحتى حين يُضحك المشاهد، يبقى الجانب المظلم للشخصية حاضرًا، مما يخلق توازنًا دراميًا قلّ نظيره.
التحديات والتنميط: بين الإبداع والقيود
رغم تنوع أدواره ونجاحه الكبير في تقديم الشخصيات الشريرة والمثيرة للمشاكل، إلا أن الصناعة الدرامية غالبًا ما تميل إلى تنميط الممثلين في قوالب محددة. فادي أبي سمرا، بمواهبه المتعددة، تجاوز هذه القيود في بعض الأعمال، لكن الحاجة ملحّة لمنحه مساحات أوسع تعكس تنوع موهبته. أعمال مثل “صالون زهرا” أظهرت قدرته على تقديم شخصيات مختلفة، مما يدعو المنتجين والمخرجين إلى التفكير خارج الصندوق والاستفادة من إمكانياته الكاملة.
فادي أبي سمرا: أكثر من مجرد ممثل
ليس فادي مجرد اسم بارز في الدراما اللبنانية؛ إنه حالة فنية خاصة. قدرته على الانتقال بين أدوار القسوة والضعف، الفكاهة والجديّة، تجعل منه نموذجًا لفنان يعرف كيف يضيف أبعادًا جديدة للشخصيات التي يقدمها. كل حركة ونظرة ينقلها على الشاشة تحمل رسالة ومعنى، مما يجعله مدرسة تمثيلية قائمة بذاتها.
فادي أبي سمرا : الوجه الإنساني المعقد خلف أدوار الشر
فادي أبي سمرا ليس فقط “المشكلجي” الذي يجسد الشر، بل هو فنان يعيد تعريف مفهوم الشخصية الدرامية. بأدواره المتنوعة وتناقضاتها الإنسانية، استطاع أن يخترق جدار النمطية ويترك أثرًا دائمًا في ذاكرة المشاهد. ومع كل عمل جديد، يثبت أن الفن الحقيقي لا يكمن في أداء النصوص فحسب، بل في قدرتها على لمس أعمق نقاط الإنسانية داخلنا. فادي أبي سمرا، بلا شك، هو أحد أعمدة الدراما اللبنانية والعربية التي تستحق الثناء والإشادة.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment