Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

تيم حسن في تحت سابع أرض .. الوجه الحقيقي للصراع بين العدالة والخيانة – شربل الغاوي

تيم حسن

تيم حسن في تحت سابع أرض .. الوجه الحقيقي للصراع بين العدالة والخيانة

تيم حسن ليس ممثلًا عاديًا، بل هو ظاهرة فنية استثنائية، يمتلك القدرة الفريدة على سحب المشاهد إلى أعماق شخصياته، مهما بلغت تعقيداتها. منذ خطواته الأولى في عالم الدراما، صنع لنفسه مساحة لا تشبه غيرها، حيث لا يكتفي بتقمص الشخصيات، بل يبعث فيها نبضًا يجعلها تتجاوز حدود الشاشة، تلامس الواقع، وتصبح جزءًا من ذاكرة الجمهور. في “تحت سابع أرض”، يجسد شخصية موسى، الضابط الذي لم يعرف الفساد طريقًا إليه، لكنه وُضع أمام اختبارات عصيبة، جعلته يسير على حافة الخطر، ممزقًا بين القانون والانتقام، بين الواجب والعائلة، بين العدل والخذلان.

ما يميز تيم حسن في هذا الدور، كما في أدواره السابقة، هو تلك القدرة على استدراج المشاهد إلى زاوية التعاطف، حتى مع شخصياته التي تتجاوز الخطوط الحمراء. لا يمكنك أن تكرهه، لأنك تدرك دوافعه، تشعر بعمق ألمه، وتراه يتخبط وسط عاصفة من القرارات التي لم يخترها، بل فرضتها عليه قسوة الحياة. إنه لا يقدم “بطلًا” بالمعنى التقليدي، بل يرسم صورة لإنسان، يخطئ ويصيب، يتردد ثم يندفع، لكنه لا يفقد هويته أبدًا. إنه ذلك الرجل الذي قد يتجاوز الحدود، لكنه يفعل ذلك مدفوعًا بروح تسعى إلى العدالة، حتى لو اضطر للغرق في وحل الفوضى.

حين يصبح القانون قيدًا بدلًا من أن يكون منارة للعدالة

رحلة موسى تبدأ داخل السلك الأمني، حيث يتعرض للخيانة على يد أقرب الناس إليه، ليسقط في شرك لم يكن يومًا جزءًا منه. بدلًا من أن يكون حارسًا للعدالة، يجد نفسه منفصلًا عن الميدان، مُبعدًا إلى حلب، عقابًا له على تجاوزه الحدود التي رسمها النظام الذي يخدمه. لكنه لم يكن الرجل الذي يستسلم أو ينكسر، وحتى وهو بعيد عن مركز الحدث، لم يكن يومًا بعيدًا عن المعركة. فبينما استقرت شظية في عينه بعد انفجار مروّع، كان في داخله جرح أشد قسوة، جرح الخيانة، الذي لم يندمل رغم مرور السنوات.

خمسة أعوام قضاها في المنفى، لكنها لم تكن غيابًا بقدر ما كانت اختبارًا. وعندما عاد إلى دمشق، لم يجدها كما تركها، ولم يجد نفسه كما كان. فقد وجد أن عائلته أصبحت ساحة لمعركة جديدة، وأن الخطر بات أقرب مما تخيله. العجّان، زعيم العصابة، لم يكن مجرد تهديد عابر، بل كان رجلاً يعرف كيف يفتك بأعدائه دون أن يرفع سلاحًا. تسلل إلى قلب أسرته، أحكم قبضته على شقيقاته، واستغل مطبعة العائلة ليحولها إلى وكر لتزوير الوثائق، دافعًا موسى إلى مواجهة لا تشبه غيرها. كيف يمكنه إنقاذهن دون أن يتحول إلى صورة أخرى من أعدائه؟ كيف يحافظ على مبادئه وهو محاصر داخل فخ لا نجاة منه إلا بمخالفة القانون الذي أقسم يومًا على حمايته؟

تيم حسن.. صانع الأبطال الذين يسقطون في الظل لكنهم لا ينكسرون

ما يفعله تيم حسن في “تحت سابع أرض” ليس مجرد أداء تمثيلي، بل هو درس في فن بناء الشخصيات. لا يعتمد على الكلمات وحدها، بل يتقن استخدام الصمت حين يكون الصمت أبلغ من الحديث. نظرة واحدة قد تحمل بين طياتها ألف معنى، لحظة شرود قد تروي قصة كاملة، وإيماءة صغيرة قد تنقل للمشاهد صراعًا داخليًا لا يحتاج إلى تفسير.

كما جعلنا نتعاطف مع “جبل” في “الهيبة”، رغم كونه خارجًا عن القانون، يجعلنا هنا نقف إلى جانب موسى، رغم قراراته التي قد تبدو رمادية. ليس لأنه مثالي، بل لأنه حقيقي. في كل تصرف، هناك دافع، وفي كل خطوة، هناك ثمن يدفعه. هذا ما يجعله قريبًا من المشاهد، لأننا جميعًا في لحظات معينة قد نجد أنفسنا نختار بين السيئ والأسوأ، بين ما يجب فعله وما لا يمكن تجنبه.

أنس طيارة.. الحضور الذي يخترق الصمت

في هذا العمل، يثبت أنس طيارة أنه لا يحتاج إلى عبارات طويلة ليترك أثرًا. ليس مجرد شخصية مكملة، بل هو أحد الأضلاع الأساسية في هذه الحكاية. نظراته وحدها تكفي لنقل عالم من المشاعر، توتره الصامت يخبرك أنه يخوض حربًا داخلية لا تقل ضراوة عن الحرب التي تدور حوله. هذه القدرة على خلق التوتر دون مبالغة، على تحويل الصمت إلى لغة، هي ما تجعله واحدًا من أكثر الأسماء التي تستحق التقدير والمتابعة.

بين الخطأ والصواب.. أين تقف العدالة في عالم بلا يقين؟

ما يجعل “تحت سابع أرض” عملًا فريدًا، هو أنه لا يقدم إجابات جاهزة، ولا يضع المشاهد أمام قصة واضحة الحدود. لا يوجد “خير مطلق” ولا “شر مطلق”، بل شخصيات تبحث عن خلاصها في عالم لا يعترف بالقواعد الثابتة. موسى لا يحارب عصابة فحسب، بل يحارب ذاته، يقاتل كي لا يصبح انعكاسًا لما كرهه يومًا، يحاول أن يحافظ على ما تبقى من إيمانه بعد أن تكسرت كل القوانين أمام عينيه.

هذه الحيرة الأخلاقية هي ما تجعل المسلسل يتجاوز كونه عملًا بوليسيًا، ليصبح مرآة تعكس واقعًا نعيشه جميعًا، حيث لا شيء يبدو كما هو، وحيث القانون قد يكون سلاحًا بيد الأقوياء بدلًا من أن يكون درعًا لحماية المستضعفين.

تحت سابع أرض .. عمل يترك أثره حتى بعد انطفاء الشاشة

حين تصل القصة إلى نهايتها، لا تنتهي فعلًا، بل تظل تسكن ذاكرة المشاهد، تتركه في حالة من التأمل والتساؤل. هل كان يمكن أن يسلك موسى طريقًا آخر؟ هل كان له خيار من الأساس؟ هذه الأسئلة هي ما تجعل “تحت سابع أرض” تجربة لا تُنسى، عملًا لا يُشاهد فقط، بل يُحس بكل تفاصيله.

بأداء تيم حسن الذي يثبت مرة بعد أخرى أنه أحد أعمدة الدراما العربية، وبوجود نجوم من طراز أنس طيارة، يصبح المسلسل تجربة متكاملة، تحمل بين طياتها التشويق، العمق النفسي، والأسئلة التي لا إجابة قاطعة لها. إنها ليست مجرد قصة تُروى، بل رحلة داخل النفس البشرية، حيث تختبر القيم، وتنكشف الحقائق، ويكتشف الإنسان حدوده الحقيقية عندما يجد نفسه أمام أصعب معاركه: المعركة مع ذاته، قبل أن تكون مع الآخرين.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment