
جوليا قصار في بالدم … بين العشق والانكسار، إبداع بلا ضجيج وقوة بلا استعراض
هناك ممثلون يمرّون على الشاشة، وهناك ممثلون يعبرون من خلال أدوارهم إلى وجدان المشاهد، يتركون أثرًا يشبه الندبة في القلب، لا يمحوه الزمن. جوليا قصار من هؤلاء القلائل، من أولئك الذين لا يمثلون بقدر ما يحيون الشخصية، لا يتقمّصون الدور بل يذوبون فيه حتى يكاد يصبح جزءًا من كيانهم. هي ليست وجهًا مألوفًا في الدراما اللبنانية فحسب، بل ذاكرة متحركة من الإبداع، تحمل في تفاصيلها نضج التجربة وحرارة الأداء.
في كل مرة تطلّ فيها على الشاشة، لا نشاهد تمثيلًا بالمعنى التقليدي، بل نعيش لحظات إنسانية خالصة. جوليا قصار ليست بحاجة إلى حوار طويل أو إلى ضجيج درامي مفتعل، يكفي أن تنظر، أن تصمت، أن ترفع حاجبًا أو تومئ برأسها، فتجعلنا نغوص في أعماق المشهد كما لو كنا جزءًا منه. قدرتها على تجسيد المشاعر بأدق تفاصيلها تجعلها أقرب إلى سحر درامي نادر، سحر لا يخبو بمرور الوقت، بل يزداد توهجًا مع كل دور تؤديه.
جانيت في “بالدم”… صرخة صامتة تهزّ القلوب
في مسلسل بالدم، حملت جوليا قصار شخصية جانيت من ضوء الحكاية إلى عتمة الوجع، من العشق الحالم إلى الانكسار الموجع. عاشت هذه المرأة قصة حب استثنائية مع زوجها روميو (رفيق علي أحمد)، وحملته في قلبها كعاشقة تُعيد اكتشاف الحب مع كل نبضة عمر. لكن، كما في الحياة، يأتي الانهيار من حيث لا نتوقع، وتنكشف الحقيقة التي تشوّه الأحلام دفعة واحدة: غالية ليست ابنتها.
لم يكن هذا المشهد لحظة كشف درامية فحسب، بل زلزالًا حقيقيًا في أداء جوليا قصار. في تلك اللحظة، لم تحتج إلى صراخ أو انهيار مبالغ فيه، بل اكتفت بانقلاب ملامحها، بنظرة انطفأت كأنها تخمد بقايا حياة كاملة. بين الصدمة والخذلان، بين الذهول والانكسار، رأينا امرأة تعيد حسابات أربعين عامًا في ثوانٍ، ترجع بذاكرتها إلى اللحظات التي ظنت أنها كانت سعيدة، فتدرك فجأة أنها كانت تبني وهمًا.
إبداع بلا ضجيج… قوة بلا استعراض
هنا تتجلّى عبقرية جوليا قصار، في قدرتها على صنع زلزال درامي بأدوات بسيطة، في جعلنا نشعر بالألم دون أن تصرخ، في تحويل المشهد إلى مرآة نرى فيها أنفسنا. لم يكن انهيار جانيت حدثًا في القصة فحسب، بل درسًا في الأداء الحقيقي: كيف تنكسر امرأة دون أن تسقط؟ كيف ينهار قلبها بينما تحاول عبثًا أن تتمسك بحطام الحقيقة؟
مشهد شعرها المتساقط على وجهها لم يكن تفصيلًا إخراجيًا فحسب، بل انعكاسًا للحالة الداخلية للشخصية. لم تعد تهتم لنفسها، لم تعد تكترث لمظهرها، لأنها ببساطة فقدت جزءًا من هويتها. في هذا المشهد، لم تكن جوليا قصار تمثل، بل كانت جانيت بكل ما فيها من وجع وحيرة وضياع.
حضور ممتد… ورسالة فنية خالدة
لم يكن دور جانيت محطة عابرة في مسيرة جوليا قصار، بل شاهدًا آخر على حضورها الطاغي وقدرتها على التغلغل في عمق الشخصية. في كل مرة تطلّ فيها على الشاشة، تثبت أنها ليست ممثلة تقف عند حدود الأداء، بل حالة فنية خاصة، مدرسة في العفوية والصدق. هي لا تؤدي أدوارًا، بل تكتب بأسلوبها الفني سيرة شخصياتها، تمنحها روحًا، وتجعلها تخرج من إطار القصة إلى واقع المشاهد، فتعيش معه وتبقى في ذاكرته طويلًا.
إن الحديث عن جوليا قصار ليس حديثًا عن موهبة فحسب، بل عن تجربة متكاملة من الشغف والصدق والإبداع، عن فنانة لا تحتاج إلى صخب أو استعراض لتبرهن على عظمتها. في كل دور تؤديه، تثبت أن الفن الحقيقي ليس مجرد مشهد يُؤدى، بل إحساس يُعاش، وأن التمثيل ليس حرفة، بل حياة أخرى، تعيشها بصدق لتجعلنا نؤمن بها.
هكذا هي جوليا قصار… نجمة لا تحتاج إلى ضوء مسلط عليها، لأنها ببساطة هي الضوء ذاته.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment