
سينتيا كرم… أعادت عدلا إلى الحياة بعدما كُتبت بالحبر، فامتزج الفن بالحقيقة
في هذا العالم، الأبيض ليس لون الطهارة، بل رايةُ الضعف في عيون المتذاكين. والقلب الصافي ليس نعمة، بل عيبٌ يضحك عليه المتحذلقون، والسذاجة ليست براءة، بل تهمةٌ يعاقب عليها أصحاب القلوب المتوحشة. هنا، في هذا الزمن الذي يقدّس المكر، ولدت عدلا، فتاة تحمل قلبًا كالماء، ينسكب بين الأصابع حتى لا يبقى منه شيء.
عدلا ليست بطلة، بل جرحٌ مفتوح، روحٌ هشة في عالم لا يرحم. لم تتعلّم كيف تساوم، لم تُتقن فنون المراوغة، لم تضع قناعًا يحميها من غدر الآخرين. تصدّق بصدق، تُحب حتى الإنهاك، تعطي بلا حسابات، ثم تُترك خلفهم، كما تُترك الزهور حين تذبل بعد أن فرّغت كل عطرها للآخرين.
لكن ما كان لهذه الشخصية أن تخرج من الورق إلى الروح، من الحبر إلى الدم، لولا سينتيا كرم، التي لم تمثّل عدلا، بل بعثت فيها حياة، جعلتها تنبض أمامنا، جعلتنا نراها كما لو كانت تسير بيننا، تبتسم دون سبب، تتعلّق بوعد صغير، تتشبّث بكلمة حبّ، تُسلم قلبها لمن يمنحها مجرد أمل، حتى لو كان الأمل كذبة.
وعدٌ واحد… يأخذ منها كل شيء
ما أصعب أن يكون قلبك أكبر من عقلك، أن تكون روحك مستعدة للعطاء أكثر مما تستطيع أن تأخذ، أن يأتيك رجلٌ بكلمة حبّ، فتعطيه عمرك، يأتيك بوعد زواج، فتمنحه كل ما لديك، بلا حسابات، بلا ضمانات، بلا حتى أن تفكّر للحظة إن كان هذا الرجل صادقًا أم مجرد ذئب آخر أتى ليقتات من طيبتك.
عدلا لم تكن ساذجة، بل كانت أنقى من أن تحسب الحب بالأرقام، أو تخوضه كما يخوضه الآخرون كمعركة. لا تُجيد المساومة، لا تفكّر بالخسائر، لا تحتفظ بشيء لنفسها، تُفرغ ذاتها كما تفرغ الشجرة ثمارها لمن يمدّ يده. لكنها لم تدرك أن البشر ليسوا كالأرض، فالشجرة حين تعطي تُثمر، أما البشر، فقد يأخذون حتى يجفّ جذعك، ثم يتركونك مجرّد ظلّ بلا حياة.
حين يكون القلب الأبيض لعنة
يقولون: كن صافي القلب، تكن سعيدًا
لكن الحقيقة أكثر مرارة: كن صافي القلب، تكن أضحوكة في هذا العالم.
البساطة تُفهم خطأ. من لا يعرف الكذب، يقولون عنه “أحمق”، ومن لا يُتقن الخداع، يُنعت بالسذاجة، ومن يحب دون شروط، يعاملونه كأبله لا يعرف كيف يُدير حياته. عدلا كانت كل هذا وأكثر.
ليس لأنها لم تفهم الحياة، بل لأنها لم تقبل أن تتلوّن بألوانها
ليس لأنها لم تعرف الخداع، بل لأنها اختارت أن تظل كما هي، حتى لو كلفها ذلك كل شيء.
عدلا لم تكن ضعيفة، بل كانت نقيّة في زمن يعتبر النقاء سقوطًا. كانت صادقة في عالم لا يؤمن بالصدق، كانت كائنًا شفافًا في غابةٍ يختبئ فيها الجميع خلف أقنعة سميكة.
سينتيا كرم… الحرف الذي صار روحًا
ليس سهلًا على ممثلة أن تمسك بروح شخصية مثل عدلا دون أن تُسقطها في فخّ التصنّع. أن تكون هشًا على الشاشة دون أن تبدو ضعيفًا، أن تكون نقيًا دون أن تبدو مفتعلًا، أن تعيش الدور حتى يصبح جزءًا منك.
سينتيا كرم لم تكن تقدّم دورًا، بل كانت تنزف أمامنا. لم تكن تمثل، بل كانت تُفرغ ذاتها على الشاشة كما كانت تفعل عدلا مع كل من وعدها بالحب. كانت تمشي بخطى عدلا، تبتسم كما لو أن العالم لا يعرف الغدر، ثم تدمع وكأنها اكتشفت الحقيقة متأخرة.
لكن ليس الأداء وحده ما صنع عدلا، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي حوّلتها من شخصية مكتوبة إلى كيان نابض. عينا سينتيا كرم لم تكونا مجرد نافذتين للحزن، بل كانتا تحملان كل شيء: الاندهاش، الخيبة، الرجاء، الكسر. كانت تنظر وكأنها تستجدي العالم أن يكون أرحم، ثم تغضّ بصرها وكأنها أدركت عبث الرجاء.
وحتى شعرها المُرسل بلا تصفيف متكلّف، كان كأنه يُحاكي قلبها: غير مروّض، لا ينتمي إلى القوالب، يترك نفسه كما هو، تمامًا كما كانت تفعل عدلا مع مشاعرها. لم تحاول أن تزيّف شيئًا، لا في شخصيتها ولا في مظهرها، بل جاءت كما هي: خامةٌ نقية في عالم مزخرف بالكذب.
أما الماكياج، أو بالأحرى غيابه، فكان صرخة صامتة في وجه التزييف. لم تكن بحاجة إلى زيفٍ يُجمّل حزنها، ولم يكن الحزن بحاجة إلى ألوان تُموّهه، بل تركت الدموع تنساب على وجهها كما تنساب الحقيقة على قلبٍ لا يعرف الخداع.
عدلا… الجرح المفتوح الذي يعرّي الجميع
هناك شخصيات تنتهي بانتهاء المشهد، وهناك شخصيات تبقى، لا لأنها استثنائية، بل لأنها تكشف لنا حقيقتنا. عدلا ليست مجرد فتاة في مسلسل، بل هي صورة مصغّرة لكل قلب رفض أن يصير أسود، لكل روح أرادت أن تصدّق أن الخير لا يزال ممكنًا، لكل امرأة أعطت من قلبها، فخرجت منه فارغة اليدين.
هل كانت عدلا ضعيفة؟ لا
هل كانت حمقاء؟ لا
هل كانت نقية أكثر مما يحتمل هذا العالم؟ نعم، وهذه كانت خطيئتها الوحيدة.
عدلا لم تكن تحتاج إلى مَن يُنقذها، بل نحن الذين كنّا بحاجة إلى أن نكون مثلها… لكنّ أحدًا منا لم يكن يجرؤ على ذلك.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment