
رندة حشمة … نجمة لا تحتاج إلى الأضواء لتلمع
منذ المشهد الأول، تفرض رندة حشمة حضورها كمحترفة تمثيل، تبرع في تحويل أي دور إلى تجربة حية تنبض بالحقيقة. في بالدم، تجاوزت التوقعات وقدّمت درسًا بليغًا في فن التقمص، حيث صنعت من شخصية سهى بركات عالمًا متكاملًا من المشاعر والتناقضات، فبدا أداؤها كأنه انعكاس لواقع يتجاوز الشاشة.
رندة حشمة اسم راسخ في الدراما، موهبة أصيلة امتدت عبر الزمن، تاركة أثرًا لا يُمحى في كل دور جسدته. من الشخصيات التي تلامس القلب بصمتها العميقة إلى الأدوار التي تحرك المشاعر بخيوطها الدقيقة، كانت دائمًا مثالًا للفن الصادق، القوي، والعابر للزمن.
في كل ظهور، تثبت أنها فنانة من طراز نادر، تملك في أدائها روحًا آسرة وعمقًا لا يحتاج إلى ضجيج ليثبت حضوره. هي الصوت الذي يلامس الإحساس، النظرة التي تحكي ألف حكاية، والتجسيد الكامل للشخصية حتى يكاد المشاهد ينسى أنه أمام تمثيل، بل يغرق في عالم يفيض بالحقيقة.
قد تُحجب الأضواء أحيانًا عن بعض الأسماء، لكنها لا تستطيع إطفاء وهج النجوم الحقيقية. لم تكن رندة حشمة يومًا بحاجة إلى صخب الشهرة، فقد حفرت اسمها في وجدان المشاهدين ليس بتكرار الظهور، بل بأثر عميق يستمر حتى بعد أن يُسدل الستار على الحكاية.
سهى بركات … لغز الذاكرة والضياع
في رحلة البحث عن والدتها، تجد غالية نفسها أمام شخصية غامضة: سهى بركات، المرأة العالقة بين الماضي والحاضر، وكأن ذاكرتها تاهت في دهاليز العقل. لكن المفاجأة تأتي حين يكشف فحص الحمض النووي الذي أجراه طارق أنها قد تكون والدتها الحقيقية.
لكن الحقيقة ليست بهذه البساطة. سهى ليست امرأة فقدت ذاكرتها فحسب، بل ضاعت معها الحقائق، وتبعثرت أسرارها في قصة لم تكتمل فصولها بعد. كيف يمكن العثور على إجابات من عقل مثقل بالألغاز؟ وكيف تستعيد غالية جذورها عبر أمٍّ لا تدرك حتى نفسها؟
رندة حشمة… أداء استثنائي يلامس الأعماق
في هذا الدور، لم تكن رندة حشمة ممثلة تؤدي شخصية مضطربة، بل حالة فنية متكاملة. منذ لحظاتها الأولى على الشاشة، تجذب المشاهد إلى عالم سهى بركات، حيث تتحدث نظراتها بلغة الحيرة، وتتناغم نبرة صوتها بين الخوف والتيه، فيما تعكس حركاتها بحثًا مستمرًا عن شيء مجهول. صنعت من سهى شخصية نابضة بالحياة، تترك أثرًا عميقًا في وجدان المشاهد.
تميز أداؤها بالاتزان والدقة، حيث تمكنت من إيصال التناقضات الداخلية للشخصية دون مبالغة. بين لحظات السكون والانهيار، وبين الشرود والوعي المتقطع، قدمت درسًا في التقمص الحقيقي، حيث تجسدت المشاعر في الصمت أكثر مما نطقت به الكلمات.
رحلة شاقة نحو الحقيقة… وأم تائهة بين السراب
لم يكن الطريق أمام غالية ممهدًا، بل كان متاهة من التساؤلات، حيث تشكل سهى بركات مفتاحًا غامضًا قد يفتح أبواب الحقيقة، أو يقود إلى مزيد من الألغاز. هل ستتمكن غالية من استخراج خفايا الماضي من خلال أمٍّ ضاعت بين الواقع والوهم؟ وهل ستنجح في العثور على الحقيقة في ذاكرة متشظية؟
رندة حشمة… بصمة لا تُمحى من الذاكرة
مرة أخرى، تثبت رندة حشمة أن التمثيل الحقيقي يظهر منذ اللحظة الأولى، حيث لا يحتاج الفنان إلى مساحة زمنية ليترك أثرًا خالدًا. في بالدم، لم تكن عنصرًا عابرًا في القصة، بل صنعت حضورًا طاغيًا، منح الشخصية حياة تتجاوز حدود السيناريو.
هي فنانة قادرة على تحويل أي دور إلى تحفة فنية، حتى لو كانت الشخصية تائهة، وحتى لو كان الماضي الذي تحمله مليئًا بالألغاز. فالأداء العظيم لا يُقاس بحجم الدور، بل بالبصمة التي تظل محفورة في الذاكرة.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment