
سمارة نهرا.. الأم التي نحلم بها ونخشى مصيرها في بالدم
في دروب الحياة الشاقة، هناك أمهات لا تُكتب حكاياتهن في الكتب، ولا تُروى في الأساطير، رغم أنهنّ أعظم الأبطال. هنّ اللواتي ينحتن الحياة بعرقهنّ، يعجنّ الأمل بكفوفهنّ المتعبة، ويزرعن الطمأنينة رغم العواصف التي تهبّ عليهنّ بلا هوادة. في مسلسل “بالدم”، تجسّد سمارة نهرا هذه الأم، لا كما نتخيلها فحسب، بل كما عايشناها، أو كما تمنّى البعض أن تكون له.
هي شخصية لا تعكس صورة الأم كما ترد في الحكايات المكرّرة، بل تترجم واقع أمهات نعرفهنّ. عايشنا صبرهنّ وآلامهنّ، شهدنا دموعهنّ الصامتة التي تسقط في الخفاء كي لا نراها، شعرنا بقلقهنّ الذي يسبقنا أينما ذهبنا، كأن الحياة لم تمنحهنّ إلا دور السند الذي لا يهتزّ، حتى حين يتآكله الخوف من الداخل.
صبرٌ لا ينضب.. وكفاح لا ينتهي
تظهر الشخصية بصبرٍ يلامس حدود الأسطورة، تكافح بين مطبخها المتواضع وصراعاتها القاسية. تصنع المونة البيتية بحب متجذر، وكأنها تبني من كل مرطبان حصنًا لصمودها، لكنّ جهدها في النهاية يتبدد، يُوزّع يمنةً ويسرة، فيما لا يبقى لها سوى الفتات. ومع ذلك، لا تنكسر، لا تتذمر، بل تمنح بلا حساب، كأن العطاء قدرٌ مكتوب عليها، لا تملك منه فكاكًا.
لكنها، في الوقت ذاته، تحمل على عاتقها أكثر مما تحتمل. قلق الأم الذي يسكنها يمتص فرحتها، يسلبها حقّها في أن تحلم كما يحلم الآخرون. زوجها في السجن، وابنها، الذي كان من المفترض أن يكون سندها، يتحوّل إلى عبء آخر، يسرقها دون أن يهتزّ ضميره. ومع ذلك، يظلّ قلبها مفتوحًا له، كأن الحبّ عندها ليس خيارًا، بل نبوءة قديمة، إرث الأمهات اللواتي يمنحن بلا حدود، حتى حين تأخذ منهنّ الحياة أكثر مما تمنح.
وجعها.. دموعها.. والحصرة التي لا يراها أحد
ما يجعل أداء سمارة نهرا مؤثرًا حتى العظم، ليس قدرتها على نقل ملامح التعب فقط، بل تجسيدها العميق للوجع الداخلي، ذاك الذي نراه في أعين أمهاتنا دون أن نعرف سببه، أو ربما نعرفه، لكننا نعجز عن فعل شيء حياله. ذلك الحزن المكتوم، البكاء الذي يخنقه الكبرياء، والخوف الذي يتسلل إلى نبضها في كل لحظة.
كم مرة رأينا أمهاتنا يذرفن الدموع بصمت؟ ليس بسبب الألم الجسدي، بل لأن الحياة قست عليهنّ، لأنهنّ يخشين علينا أكثر مما يخشين على أنفسهنّ. هذا ما جعل أداء سمارة نهرا في “بالدم” موجعًا حتى آخر رمق. لقد جعلتنا نشعر بحصرة كل أم لا حول لها ولا قوة، سوى الدعاء والانتظار.
حين تنظر بعينيها المثقلتين إلى ابنها، نرى الخيبة التي تحاول إخفاءها، نرى الحبّ الذي لا ينقص رغم كل الجراح، نرى الخوف الذي يكبر داخلها وهي تدرك أنها قد تخسر كل شيء، لكنها تبقى واقفة، لأنها ببساطة أم.
الأم التي لا تتكرر.. والخذلان الذي لا يُنسى
سمارة نهرا لم تكن تؤدي دورًا فحسب، بل بثّت فيه روحًا جعلت المشاهدين يرون في هذه الأم نموذجًا يوقظ فيهم الحنين إلى الأمهات الحقيقيات، اللواتي كنّ وما زلنَ سِندًا لا يتزعزع. لقد رسمت بأدائها القوي صورة الأم القديمة، تلك التي يعرفها الكثيرون ويتمنون أن تبقى في حياتهم إلى الأبد.
لكنّ ما يثير الوجع أكثر، هو المصير الذي ينتظرها. إنها لا تحلم بالسعادة، بل تحلم فقط بأن يبقى من تحبهم بخير، حتى لو كان ذلك على حسابها. تخاف من الغد أكثر مما تخاف على نفسها، وتظلّ تمنح بلا توقف، إلى أن يأتي يوم تدرك فيه أن كل شيء ضاع، وأن من أعطتهم عمرها لم يلتفتوا إليها إلا بعد فوات الأوان.
تحية كبيرة لسمارة نهرا، التي لم تكتفِ بأن تمثل، بل جعلتنا نعيش مع هذه الأم، نحبها، نحزن لأجلها، ونخشى أن يكون مصيرها يومًا ما، مصير كل من أحبّ بصدق ولم يجد إلا الخذلان.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment