Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

نوال كامل.. فنانة تُجسّد الصدق بأبسط التفاصيل – شربل الغاوي

نوال كامل

نوال كامل.. فنانة تُجسّد الصدق بأبسط التفاصيل

ليست كل الشخصيات التي نراها على الشاشة قادرة على أن تلامس أرواحنا وتبقى محفورة في ذاكرتنا. فبعض الممثلين لا يؤدون أدوارهم فحسب، بل يسكبون فيها من إحساسهم وصدقهم ما يجعلها نابضة بالحياة. ونوال كامل واحدة من هؤلاء الفنانين الذين لا يمثلون الشخصيات، بل يعيشونها، فتبدو وكأنها قطعة من واقعنا، قريبة منا بضحكتها، بحزنها، وبكل تعبير يمرّ على ملامحها.

في مسلسل “بالدم”، تألقت نوال كامل في دور “فدوى”، الجدة التي انتظرت حفيدها حكمت بشغف الأمهات اللواتي يترقبن ميلاد أبنائهن، وقدّمت أداءً ساحرًا لا يُنسى. لكن هذا الانتظار لم يكن إلا وهماً نُسج من كذبة حبكها ابنها وليد، الذي جسّده باسم مغنية، وزوجته، حين أوهما الجميع بأن الزوجة حامل، بينما كانت تخفي خلف بطنها المنتفخ مكبرًا زائفًا، انتظارًا لطفل لم يكن موجودًا، بل كان حلمًا متعثرًا بالتبني لم يسر كما خططا له.

وحين انكشفت الحقيقة، لم تكن لحظة عادية، بل كانت انفجارًا، خيانة مدوية بدّدت كل الأحلام التي عاشتها. لم يكن حزنًا هادئًا أو ألمًا ساكنًا، بل صرخة تقطّعت معها أنفاسها، وصوت اهتزّت له جدران البيت. كانت تمزق الصمت بوجع امرأة سُلب منها أعزّ ما كانت تنتظر، جُنّت، بكت، وانهارت، وكأنها كانت ترى حفيدها الموعود يتلاشى أمامها كما يتلاشى السراب.

في هذه اللحظات، تألقت نوال كامل بأداء نادر في قوته وصدقه. لم يكن تمثيلًا، بل كان انفعالات متفجرة خرجت من أعماقها، من إحساس حقيقي بأن الأرض انشقت تحت قدميها. تقلّبت بين الصدمة والجنون، بين الغضب والخذلان، بين حبها لابنها وكرهها لكذبته. وحين تلاشت الصرخة وبقي الدمار، لم تستسلم تمامًا، بل حاولت أن تجد منفذًا لهذا السقوط. بعينين محمرّتين من الدموع والغضب، منحته خيارين: أن يتزوج امرأة أخرى وينجب الطفل الذي انتظرته، أو أن يمضي في حياته دون أن يكون له وجود فيها. لم يكن هذا قرارًا عابرًا، بل كان إنقاذًا لما تبقى منها، محاولة يائسة لتصحيح المسار بعد أن ضاع كل شيء.

نوال كامل لم تكتفِ في هذا الدور بالأداء الواقعي، بل جعلتنا نشعر بكل لحظة، بكل رعشة غضب، بكل دمعة محبوسة، بكل ارتجافة ألم. لم يكن صراخها صوتًا عاديًا، بل كان نصلًا يمزّق أرواحنا، كان الحزن وهو يتجسد أمامنا بأبشع صوره.

وهذا هو سحر نوال كامل.. أنها لا تمثل المشهد، بل تجعلك تعيشه معها، تحترق بألمها، وتنهار معها في اللحظة التي تنهار فيها. لم تكن جدة مخدوعة وحسب، بل كانت رمزًا لكل امرأة أحبّت وانتظرت وحلمت، ثم وجدت نفسها غارقة في وهم صنعه أقرب الناس إليها.

في النهاية، نوال كامل لم تكن اسمًا على الشاشة، بل كانت مرآة لكل امرأة واجهت الحقيقة بمرارة لم تتوقعها. وهذا هو السحر الذي يميزها في كل عمل، حيث لا تكتفي بتأدية الشخصية، بل تجعلها تتنفس، تنبض بالحياة، وتبقى في ذاكرة المشاهدين كما لو كانت جزءًا من واقعهم.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment