Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

خانم الشاشة العربية.. منى واصف، أيقونة القوة والهيبة – شربل الغاوي

منى واصف

خانم الشاشة العربية.. منى واصف، أيقونة القوة والهيبة

هناك وجوهٌ في الفن لا تكتفي بعبور الشاشة، بل تسكن القلوب، وتترك أثرًا لا تمحوه السنون. منى واصف ليست اسمًا عابرًا في تاريخ الدراما العربية، بل رمزٌ متجذر، وكيانٌ فني شامخ. لم تؤدِّ الأدوار بل صنعت منها لوحاتٍ نابضة بالحياة، حملت بصمتها الخاصة، وفرضت سحرها الذي لا يُقاوم. هي ليست واحدة من ممثلات هذا العصر، بل مناراته التي تُضيء دروبه، وحكاياته التي تُروى بأداءٍ استثنائي لا يشبه إلا ذاته.

منى واصف.. حضورٌ يفرض سطوته ويأسر القلوب

لا تكمن قوة منى واصف في حدة الصوت أو عنف الملامح، بل في ذلك الثبات الذي يجعل من نظرة واحدة كفيلة بأن تهزّ المشهد، وتمنحه اكتماله الفني دون الحاجة إلى ضجيجٍ أو انفعالاتٍ زائدة. حين تتابع أداءها، تدرك أنك أمام سيدة تُمسك بمفاتيح الفن الحقيقي، تُحركه كيفما تشاء، وتأخذ المشاهد إلى عوالم شخصياتها كما لو كان يعيشها، يتنفس صراعاتها، ويشعر بكل ما يدور في أعماقها.

لكن قوتها لا تقتصر على مشاهد الهيبة والسلطة، بل تتجلى في لحظات الانكسار، حين تهبط دمعتها بصمت، وكأنها تشق الروح قبل أن تسقط، حين تتحجر الغصة في حنجرتها فلا تقوى على البوح، لكنها تزلزل القلب دون أن تنطق. منى واصف لا تبكي بصخب، بل بحزنٍ عميق يحفر أثره في الوجدان، في رعشة صوتٍ مكبوتة، في نظرةٍ ممتلئة بالوجع، في تنهيدةٍ تحمل ثقلاً لا يُحتمل.

في “تحت سابع أرض”، تجسد شخصية “الخانم”، تلك المرأة التي لا تحتاج إلى رفع سيفٍ أو خوض معركةٍ لتُمسك بمفاتيح السلطة. حضورها وحده كافٍ ليشعر الجميع بثقل وجودها، وكأنها تُحرك خيوط الأحداث من الظلال، ترسم ملامح اللعبة بنظراتها، وتوجه مجرياتها بكلماتها التي تخرج كالأوامر التي لا تُردّ. ليست شخصيةً تعيش في الهامش، بل امرأةٌ تعرف كيف تفرض قوانينها حتى عن بعد، وهذه القدرة الفريدة ليست سوى انعكاسٍ لعبقرية منى واصف، التي تجعل من كل شخصية تؤديها كائنًا حيًا ينبض على الشاشة.

أم جبل.. حين تصبح القوة قدرًا لا اختيارًا

تتلاقى شخصية “الخانم” في “تحت سابع أرض” مع شخصية “أم جبل” في “الهيبة” في مزيج القوة والصرامة التي لا تُفهم إلا في سياقها. فليس كل حزمٍ قسوة، ولا كل قرارٍ صارم دليلًا على الغلظة. أم جبل ليست امرأةً متسلطة، بل أمٌّ أدركت أن اللين قد يكون أحيانًا مكلفًا، وأن التهاون قد يدفع بها إلى خسارة أغلى ما تملك: عائلتها، بيتها، وإرثها الذي لا تسمح لأحدٍ بأن يُفرّط فيه.

في “الهيبة”، لم تكن أم جبل والدة جبل فحسب، بل كانت جبلاً بحد ذاتها، سيدةً بقراراتٍ لا تراجع فيها، وكلماتها لم تكن جملًا تُقال، بل أحكامٌ تُنفذ. ومع ذلك، لم تكن جامدةً أو قاسيةً بلا مبرر، بل مزيجًا من الحنان والصلابة، من الحكمة والعاطفة، من الحزم والرعاية.

لكن عظمتها تجلت حين وقف الموت على أعتابها، حين خسرت، حين انهار شيء من روحها، لكنها لم تسمح للضعف أن يهزمها. في لحظة الفقد، لم تصرخ ولم تنهَر، لكنها تركت للحزن أن يتسلل إلى عينيها، إلى رعشة يدها، إلى رجفة صوتها. دمعتها لم تكن دمعة ضعف، بل دمعة امرأة أدركت أن الفراق ليس خيارًا، وأن الحزن قدرٌ لا مهرب منه. في تلك اللحظة، لم تكن أم جبل مجرد شخصية، بل كانت أمًّا بكل ما تحمله الأمومة من وجعٍ وفقد، من كبرياءٍ يرفض الانكسار حتى عندما يتفتت القلب.

منى واصف.. حين تتحول الشخصيات إلى واقع حيّ

ما السرّ في أداء منى واصف؟ كيف تجعلنا نؤمن بأن الشخصيات التي تؤديها ليست أسماءً في نصٍ مكتوب، بل أشخاصٌ من لحمٍ ودم، نحسّ بهم، نتفاعل معهم، ونتألم لأجلهم؟

الجواب يكمن في قدرتها الفريدة على الذوبان الكامل في الشخصية، في أن تعيشها حتى تصبح جزءًا منها، فتغدو كيانًا حقيقيًا نابضًا بالحياة. ليست المسألة موهبةً فحسب، بل فنٌّ متقن، وتجربةٌ صقلتها السنين، وحرفيةٌ تجعلها أحد أعمدة الدراما العربية.

منى واصف لا تحتاج إلى رفع صوتها كي تُجبر المشاهد على الاستماع، بل تمنحه المساحة ليفهم مكنون شخصياتها بنفسه، ليتفاعل معها دون أن يُفرض عليه شعورٌ معين. في لحظات الانتصار، تكون جبلاً لا يتزحزح، وفي لحظات الفقد، تكون أمًّا تبكي بصمتٍ يحفر أثره في القلب. هذه المدرسة في الأداء هي التي جعلتها أسطورةً في تاريخ الدراما، واسمًا تتناقله الأجيال، ونموذجًا يُحتذى به في فنٍ يتطلب أكثر من موهبة، بل يحتاج إلى روحٍ تعطي الشخصية من ذاتها حتى تُبعث فيها الحياة.

الهيبة ليست شخصية.. بل موقفٌ لا يُمحى

الهيبة ليست لقبًا يُطلق على شخصيةٍ ما، بل حالةٌ من الحضور الطاغي، موقفٌ يتجلى في كل حركة، في كل إيماءة، في كل قرار.

منى واصف تُجسد هذا المفهوم بأبهى صوره، تجعل من كل شخصيةٍ تؤديها حكايةً قائمةً بذاتها، ورمزًا يتجاوز حدود العمل الفني ليصبح ظاهرةً ثقافيةً واجتماعية. ولهذا، لم يكن مستغربًا أن تحتل شخصياتها صدارة المشهد الدرامي، لأن ما تقدمه لا يُختصر في أدوار تُحكى، بل في مواقف تُعاش، وتجارب تُلهم، ورسائل تصل دون أن تُقال صراحةً.

إرثٌ خالد.. واسمٌ لا يُمحى

ليست كل الأسماء قادرة على مقاومة الزمن، لكن منى واصف ليست اسمًا عابرًا، بل مدرسةٌ في الأداء، وأيقونةٌ للهيبة، وركيزةٌ أساسية في تاريخ الدراما العربية. كل شخصية أدّتها، مهما كان تعقيدها أو صعوبتها، تركت أثرًا لا يُمحى، لأنها قدّمتها بحرفيةٍ نادرة، وصدقٍ يجعل من المستحيل أن ينساها المشاهد.

منى واصف ليست فقط ممثلة، بل ذاكرة الدراما العربية، ووجدانٌ متجسد في شخصياتٍ صنعتها عبقرية الأداء، وستظل شامخةً مهما تبدلت الأجيال.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment