Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

كاريس بشار.. بلقيس التي تهزّ عروش الرجال – شربل الغاوي

كاريس بشار

كاريس بشار.. بلقيس التي تهزّ عروش الرجال

هي ليست ككل النساء، وليست ككل النجمات، بل هي استثناء، حالة متفرّدة لا تشبه إلا نفسها. كاريس بشار ليست مجرد ممثلة تتقن أدوارها، بل هي سيدة المشهد، تفرض هيبتها على الشاشة كما تفرض الملوك سطوتهم على العروش، تتلاعب بالمشاعر كما تتلاعب الرياح بالأمواج، تقود الشخصيات إلى ذراها، فتجعلها أكثر حياةً من الواقع، وأشدّ صدقًا من الحقيقة.

حين تتقمص شخصية، لا ترتديها كمن يرتدي ثوبًا، بل تنصهر فيها حتى تكاد لا تنفصل عنها، كأنما خُلقت لها، أو خُلقت لها الشخصية. وهكذا كانت بلقيس بين يديها: فتنة تهزّ الرجال، وهيبة ترعبهم، وذكاء لا يُجارى. امرأة تحكم بمزيج من الأنوثة والعقل، تسحر بنظرة، وتخضع بكلمة، تفتن من يقترب، وتردع من يظن أن بوسعه ترويضها. هي الملكة التي لا تحتاج إلى تاجٍ كي يعرف الناس مكانتها، ولا إلى صولجان كي يهابوا حضورها.

كاريس بشار.. حين يصبح التمثيل قوة ناعمة

ما الذي يجعل أداء كاريس بشار ضربًا من السحر؟ ليس جمالها وحده، وإن كان جمالها لوحة ناطقة بالعذوبة، وليس صوتها وحده، وإن كان لصوتها وقع السحر في الآذان، بل هو ذاك الصدق الجارف الذي يجعلها تعيش الشخصية لا تؤديها، تذوب فيها لا تمثلها، تتنفسها حتى تصير من لحمها ودمها.

في كل مشهد، في كل التفاتة، في كل همسة، هناك فن يتجلى، هناك روح تتحرك، هناك أنوثة لا تعرف الضعف، وقوة لا تخلو من العاطفة. كاريس تعرف متى تكون النار، ومتى تكون النسيم، متى تنكسر بدمعة، ومتى تثور بنظرة، متى تهمس بالكلمات كأنها أغنيات، ومتى تلقيها كالرصاص.

ليست فنانة تُكرر نجاحها، بل تُعيد اختراع نفسها مع كل دور، تُعيد تعريف الأداء، تُعيد صياغة الأحاسيس، حتى ليخال للمشاهد أنها تولد من جديد مع كل شخصية، وأنه لم يعرفها من قبل رغم أنه تابع أعمالها لسنوات.

بين القوة والضعف.. دهشة الأداء

هناك ممثلات يؤدين الأدوار، وهناك كاريس بشار التي تخلق الشخصيات من العدم، تنفخ فيها من روحها، تمنحها أبعادًا لم تكن مكتوبة في النص، تجعلها أكثر عمقًا، أكثر غموضًا، أكثر واقعية. حين تكون الشخصية قوية، لا تقدّمها كاريس على طريقة الصراخ والانفعال، بل تمنحها سلطة من نوع آخر، تلك السلطة التي تجعل الصمت أكثر وقعًا من الكلام، والنظرة أكثر فتكًا من السلاح.

وحين تكون الشخصية ضعيفة، لا تجعلها واهنة مستسلمة، بل تمنحها ضعفًا يشبه القوة، انكسارًا يشبه الكبرياء، دموعًا لا تهوي، بل ترتفع بها إلى قمة الألم النبيل. كاريس لا تستجدي تعاطف المشاهد، بل تفرض عليه أن يشعر، أن يتورط، أن ينزف معها دون أن يدري.

كاريس بشار.. حين يُصبح الحضور هيمنة

هناك وجوهٌ جميلة، لكنها عابرة، وهناك مواهب متقدة، لكنها تخفت مع الزمن، وهناك كاريس بشار: وجه يحمل ملامح الذكاء، وحضورٌ يأسر حتى في الصمت، وموهبة لا تشيخ بل تزداد تألقًا مع الأيام.

هي ليست مجرد اسم في عالم الدراما، بل علامة فارقة، بصمة لا تتكرر، مدرسة في الأداء، وملكة في فن التقمّص. هناك نجومٌ يظهرون ليضيئوا للحظة، ثم يخفتون كالشهب، وهناك من يبقون لأنهم ليسوا مجرد نجوم، بل كواكب تدور حولها الدراما، وتستمد من وهجهم الضوء.

كاريس بشار هي تلك الملكة التي لا تحتاج إلى عرش، لأن موهبتها هي العرش، وحضورها هو السلطة، واسمها وحده يكفي ليُقال: هنا تمرّ كاريس، وهنا يتجسد الفن في أجمل صوره.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment