Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

وسام صبّاغ في نفس : حين يتحول الخوف إلى ملامح… تمثيل يروي القصة بلا كلمات – شربل الغاوي

وسام صباغ

وسام صبّاغ في نفس : حين يتحول الخوف إلى ملامح… تمثيل يروي القصة بلا كلمات

ليس كل أب يولد أبًا، فالبعض يُلقى بهم في دروب المسؤولية دون استعداد، يُنتزع منهم السند، ويُتركون في معركة غير متكافئة، سلاحهم الوحيد قلب يخفق خوفًا على من تبقّى لهم من الحياة. هكذا كان “نجيب” في نفس، وهكذا أبدع وسام صبّاغ في رسم ملامح رجلٍ يتخبط بين الحب والعجز، بين التمسك والضياع، بين أن يكون أو لا يكون.

نجيب: الأب الذي يتعلم الأبوة بالخوف والألم

في ملامحه تسكن الحيرة، وفي عينيه قلق رجل يخشى أن يُنتزع منه الضوء الأخير، أن تمتد يد القدر لتسلب منه من تبقّى له، فيغدو وحيدًا في عالم لم يعُد يشبهه. زوجته رحلت، وتركته في مواجهة الحياة بطفلة تحتاج أمًا قبل أن تحتاج أبًا، لكنه وحيد، يتخبط في تفاصيل لم يكن يومًا جزءًا منها: كيف يطهو لها طعامًا يشبه طعام أمها؟ كيف يسرّح شعرها كما كانت تفعل؟ كيف يشرح لها غيابًا لا تفسير له سوى أنه قدر؟

كل يوم يمرّ عليه كأنه يسير في حقل ألغام، حيث الخوف يلاحقه كظل لا يبرحه، ينام معه ويصحو قبله، يتسلل إلى أحلامه ويوقظه بصدمة الحقيقة. لم يكن مستعدًا لهذا الدور، لكنه أُجبر عليه، فصار يتعلمه بالخوف، وبالألم، وبالتجربة والخطأ. يحاول، يخطئ، يتعثر، لكنه لا يملك رفاهية الاستسلام. ينهض مجددًا لأنه يعلم أن سقوطه يعني سقوطها، وأن ضعفه يعني فقدانها، وهو الذي لم يعُد في قلبه متسعٌ لخسارة أخرى.

لكن الحب وحده لا يكفي. هناك واقع أقسى من محاولاته، قوانين أقوى من رغباته، أناس يعتقدون أنهم أحق بابنته منه، يرون فيها امتدادًا لذكراهم، ويجدون في ضعفه حجةً لسلبها منه. أهل زوجته يريدون أخذها بعيدًا، السفر بها إلى حيث لا قدرة له على الوصول، ولا وسيلة له لاستعادتها. كيف لرجل لم يُشفَ من خسارته الأولى أن يتحمل الثانية؟ كيف يواجه قسوة العالم وهو الذي بالكاد يقوى على مواجهة ضعفه؟ كيف يقنع القوانين الباردة أن الحب وحده كفيل بأن يكون سببًا للبقاء؟

وسام صبّاغ: حين يصبح الأداء مرآة للواقع

لم يكن وسام صبّاغ يؤدي دورًا، بل كان يتنفسه، يعيش تفاصيله، يتقمص وجعه حتى كاد أن يكونه. كان نجيب حاضرًا في كل نظرة، في كل شهقة خوف، في كل ارتعاشة يدٍ تتشبث بما تبقى لها من أمل. لم يعتمد فقط على الكلمات لنقل مشاعر نجيب، بل استخدم صمته ليحكي، ونظراته لتصرخ، وارتباكه ليجسد هشاشة الأب الذي يخشى أن يفقد أغلى ما يملك.

في لحظات الانكسار، لم يكن نجيب رجلًا، بل طفلًا يخشى أن يُسلب منه آخر ما تبقى له من حياة. كان صوته المرتجف يحمل أصداء الخوف الذي يعرفه كل من ذاق طعم الفقد. وعندما كان يحاول أن يكون قويًا، لم يكن ذلك لأنه قادر، بل لأنه لا يملك خيارًا آخر. هذا الأداء لم يكن تمثيلًا بقدر ما كان حالةً شعورية، تجربةً إنسانية تلامس كل من شاهدها، وتغرس في القلب إحساسًا لا يُمحى.

بين الألم والصمود: هل كان نجيب يستحق فرصة أخرى؟

في زحمة المشاعر التي غمرت هذه الشخصية، لم تكن المعاناة وحدها كافية لرسم ملامحها. ربما كان نجيب بحاجة إلى لحظات انتصار صغيرة، وبارقة أمل تجعله يقاوم بشراسة أكبر. في بعض المشاهد، بدا وكأنه غارق في دوامة الخوف أكثر مما يحاول الخروج منها، وكأن الحكاية اختزلته في رجل تائه بدلًا من أن تمنحه فرصة ليجد طريقه.

ربما لو أظهرت القصة تطورًا أكبر في علاقته بابنته، كيف يتعلم منها كما تتعلم منه، كيف يصبح حضوره طاغيًا في حياتها بدلًا من أن يبقى ظلًا لأمٍ رحلت، لكان نجيب أقرب إلى الواقع الذي لا يكون فيه الآباء المثاليون هم الناجون، بل أولئك الذين يخطئون ويتعلمون، الذين يسقطون ثم ينهضون.

ختامًا: الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن نراها

ما يجعل نجيب شخصية مؤثرة ليس كونه أبًا مثاليًا، بل لأنه أبٌ حقيقي، بكل ضعفه، وأخطائه، وتردده. لم يكن بطلًا خارقًا، بل رجلًا يحاول، ورُبما في محاولاته المتعثرة كان أكثر قربًا من الواقع من أي نموذج مثالي. ووسام صبّاغ، بإحساسه العميق، ونظرته التي تحكي قبل أن ينطق، وأدائه الذي يجعل الصمت أكثر وقعًا من الكلام، استطاع أن يُحوّل هذه الشخصية إلى تجربة شعورية تُلامس كل من شاهدها، وتجعلنا نتساءل: ماذا لو كنا مكانه؟ هل كنا سننجو، أم سنظل نحاول، مثل نجيب، حتى الرمق الأخير؟

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment