
فيصل الأسطواني: الطاغي على الشاشة والآسر للقلوب
فيصل الأسطواني… ذاك الاسم الذي صار مع الزمن مرادفًا للهيبة والسطوة، للرعب الذي يتسلل إلى القلوب، وللصمت الذي يسبق العاصفة كلما ظهر على الشاشة. ممثل لا يمرّ مرور الكرام، بل يترك أثرًا، يحفر حضوره في الذاكرة، فلا يمكن نسيانه حتى بعد انتهاء المشهد. إنه الطاغي، ليس بقسوته فقط، بل بموهبته التي تفرض نفسها، وبحرفيته التي تجعله أشبه بإعصار درامي، يجرف كل شيء أمامه، ليبقى وحده في الصدارة، لا يُنافس، بل يعتلي القمة بكل جدارة.
إنه الممثل الذي لا يكتفي بتقديم شخصية، بل يصنع منها كيانًا حيًا، يتنفّس أمام المشاهد، يربكه حينًا، ويحبسه في لحظات من الترقّب حينًا آخر. كل مشهد يمرّ به، هو لحظة من التوتر والانبهار، فالنظرة التي يرمي بها خصمه تحمل في داخلها ألف رسالة، والصمت الذي يخيّم على حضوره أثقل من أي صراخ. ليس مجرد ممثل يؤدّي دوره، بل هو سيّد الحالة التي يفرضها، رجل يجعلنا نؤمن بما يقدّمه، وكأننا لسنا أمام مشهد تمثيلي، بل أمام لحظة مقتطعة من واقع لم نكن نعلم بوجوده.
المختار… سيد الديون والابتزاز
في مسلسل “بالدم”، قدّم فيصل الأسطواني واحدة من أعقد الشخصيات وأكثرها تأثيرًا، شخصية المختار، ذلك الرجل الذي لا يُقهر، أو هكذا يبدو للوهلة الأولى. مرابٍ جشع، يُقرض المال ليس من أجل المساعدة، بل ليُحكم قبضته على الناس، ليُمسك برقابهم حين يعجزون عن السداد. رجل لا يكترث لمصائر الآخرين، بل يرى في حاجتهم فرصة، وفي ضعفهم موردًا، وفي بؤسهم سلعة تُباع وتُشترى. ليس المال وحده ما يبتغيه، بل النفوذ والسيطرة، حتى وإن تطلب الأمر أن يسلب الناس أعز ما يملكون: بيوتهم، كراماتهم، وربما حتى عائلاتهم.
لكن المختار، رغم جبروته الظاهر، ليس ذلك الوحش الكامل، فحتى الطغاة يخشون لحظات المواجهة. هو يخاف من ذاك الذي كاشفه، من ذاك الذي رأى حقيقته المجرّدة بلا أقنعة، من ذاك الذي أدرك أن سطوته لا تقوم إلا على الوهم. وهنا تكمن براعة فيصل الأسطواني، إذ لا يقدّم لنا شخصية الشرير المجرّد من المشاعر، بل يمنحها عمقًا نفسيًا، يكشف جانبها الإنساني المختبئ خلف ستار القسوة والجبروت. إنّه رجل يُخيف الجميع، لكنه في داخله يختبئ من خوفه الخاص، من لحظة قد تكشفه، وقد تضعف سلطانه. وهذا ما يجعل الشخصية نابضة بالحياة، واقعية إلى حدّ مرعب.
ليس سهلًا أن يصنع ممثل من شخصية شريرة بُعدًا جديدًا، يُظهر من خلاله كيف أن القوة الظاهرة قد تخفي خوفًا دفينًا، وكيف أن الطغيان قد يكون مجرد قناع هشّ يخشى التصدّع. هذا ما يميّز الأسطواني، أنه لا يقدّم الشرّ كما هو، بل يجعله حالة نفسية مركّبة، تجعل المشاهد يقف مترددًا بين كره الشخصية والرهبة منها، وربما حتى التعاطف معها في لحظة ما.
وحش الأداء الذي يأسر جمهوره
ليس من السهل أن تُبدع في أدوار القسوة دون أن تصبح مكرّرًا، وليس من السهل أن تُرعب المشاهد دون أن تبدو مفتعلًا، لكن فيصل الأسطواني يمتلك تلك الموهبة الفريدة التي تجعله وحش الأداء بلا منازع. حين يؤدي دورًا، لا يكتفي بمحاكاة الشخصية، بل يعيش داخلها، يعبّر عنها بكل تفاصيلها، ينسج لها بُعدًا خاصًا، فيجعلها أكثر من مجرد شخصية على الورق، بل كائنًا ينبض أمامنا.
هو ذلك الممثل الذي لا يحتاج إلى صراخ ليزرع الهيبة، ولا إلى حركات مفتعلة ليقنعك بأنه الأقوى. تكفيه نظرة، وقفة، نبرة صوته، حتى تشعر بأنك أمام رجل حقيقي، لا مجرد شخصية مكتوبة. وهذا ما يميّزه، أنه يحوّل الأدوار إلى واقع، يُقنعك بأن هذا المختار ليس مجرد شخصية خيالية، بل رجل يمكن أن تصادفه في أي قرية، يمكن أن تسمع عنه في أي حكاية.
ومن يشاهده على الشاشة يظنّه في الحياة رجلًا قاسيًا، صلبًا كالحجر، لا يعرف اللين، ولا مكان للعاطفة في قلبه. لكن الحقيقة هي النقيض تمامًا، فمن يعرف فيصل الأسطواني عن قرب يدرك أنه إنسان متواضع، ودود، لا تغريه الشهرة، ولا تغيّره الأضواء. فخلف ذلك الوجه الذي يزرع الرهبة، يكمن رجل يحمل في داخله قلبًا دافئًا، وروحًا لا تعرف التكبّر، بل تتعامل مع الجميع بحب واحترام.
الممثل الذي نكرهه في الأدوار… ونحبه في الحقيقة
كم من مرة جعلنا نكرهه في أدواره، ثم نصفّق له بحرارة بعد انتهاء المشهد! كم من مرة أقنعنا بأنه وحش لا يُرحم، لنكتشف بعد الكواليس أنه من أقرب الناس إلى القلوب! إنّه ذلك الفنان النادر الذي يستطيع أن يكون سيد الشر على الشاشة، لكنه في الواقع سيد الإنسانية والاحترام.
فيصل الأسطواني ليس مجرد ممثل يجيد أدوار القسوة، بل هو حالة فنية استثنائية، رجل استطاع أن يحجز لنفسه مكانًا بين عظماء التمثيل، لا بالضجيج، ولا بالسعي خلف الأضواء، بل بالعمل الجاد، وبالإبداع المتجدّد، وبالموهبة التي لا تعرف حدودًا.
هكذا هو فيصل الأسطواني، الطاغي في حضوره، المرعب في أدواره، لكنه في النهاية… الرجل الذي يأسرك بتواضعه، قبل أن يأخذك أداؤه إلى عوالم من الإبداع لا حدود لها.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment