
وفاء موصللي في نفس: توازن دقيق بين القوة والانكسار
التمثيل ليس حوارًا يُلقى أو مشاهد تُصوَّر، بل هو فن يتطلب حسًّا مرهفًا وقدرة على تجسيد المشاعر بصدق يصل إلى قلب المشاهد دون وسيط. هناك ممثلون يتركون بصمتهم بمجرد ظهورهم، ليس بعدد المشاهد التي يؤدونها، بل بقوة الأثر الذي يتركونه، ومن بين هؤلاء تتألق الفنانة وفاء موصللي. ليست مؤدية أدوار عابرة، بل فنانة تمنح كل شخصية ملامحها الخاصة، فتسكب فيها الروح والبعد الإنساني العميق. في مسلسل “نَفَس”، تجسد موصللي دور الأم التي تمسك بحبال الحب والخوف معًا، تحيط عائلتها برعايتها، وتسعى بحكمتها إلى توجيههم دون أن تسلبهم حقهم في الاختيار. لكنها، وكعادتها، لا تقف عند حدود الصورة النمطية، بل تتجاوزها لتقدم شخصية غنية بالتفاصيل، توازن بين الحزم واللين، القلق والاحتواء، الحب والتضحية.
فن اختزال المشاعر في لحظات صامتة
رغم أن مساحة الدور قد تكون محدودة، إلا أن وفاء موصللي تجعل لكل لحظة قيمة تتجاوز زمنها على الشاشة. تمتلك قدرة فريدة على تكثيف المشاعر في لحظات صامتة، حيث تتحول النظرة، التنهيدة، أو حتى دمعة وحيدة إلى مشهد نابض بالحياة، أبلغ من أي حوار. هذه المهارة لا تُكتسب اعتباطًا، بل هي نتاج خبرة طويلة وحس فني مرهف، يجعلها قادرة على تحويل المشهد العابر إلى لحظة خالدة تبقى في ذاكرة المشاهد.
نصٌ واحد.. وأداء متعدد الأبعاد
ما يميز موصللي أنها لا تكتفي بأداء الدور كما هو مكتوب، بل تمنحه أبعادًا أعمق، فتجعل الشخصية تنبض بالحياة وكأنها خرجت من الورق إلى الواقع. الأم التي تؤديها في “نَفَس” ليست شخصية نمطية، بل امرأة تحمل في داخلها مزيجًا من المشاعر المركبة؛ فهي قلقة على أبنائها، لكنها في الوقت ذاته تحاول أن تبقى قوية كي لا تضعف أمامهم. هذا التوازن الدقيق بين الانكسار والقوة، بين الخوف والشجاعة، هو ما يجعل الشخصية واقعية ومؤثرة، بل وقريبة من قلوب المشاهدين.
بين الانفعال والهدوء.. كيف تسيطر موصللي على المشهد؟
لا تعتمد وفاء موصللي على الانفعال الزائد أو المبالغة في الأداء، بل تفضل التعبير الهادئ العميق الذي يصل للمشاهد دون افتعال. قوتها تكمن في التفاصيل الدقيقة: في الطريقة التي تتحرك بها، في نبرة صوتها التي تتغير وفق الموقف، وفي إحساسها الذي يبدو طبيعيًا لدرجة أن المشاهد يشعر وكأنه يشاهد مشهدًا نابضًا بالحياة، وليس مجرد تمثيل. إنها تتحكم بانفعالاتها بدقة، وتبني المشاعر تدريجيًا، فتترك المجال للمشاهد كي يشعر معها، لا أن يُملى عليه الشعور بالقوة أو الضعف.
الأم التي تشبه كل الأمهات.. لكنها مختلفة تمامًا
في “نَفَس”، لا تقدم موصللي شخصية الأم من منظور تقليدي، بل تجعلها نموذجًا إنسانيًا عامًا، يمكن لأي شخص أن يرى فيه ملامح من والدته أو من امرأة يعرفها. هي الأم التي تخاف وتقلق، لكنها لا تستسلم، تحب وتحنو، لكنها لا تتنازل عن مبادئها. إنها شخصية غنية بالتناقضات الجميلة، تمامًا كأي إنسان حقيقي، وهذا ما يجعلها قريبة من القلب.
وفاء موصللي.. حين يصبح التمثيل فنًا يتجاوز حدود الشاشة
ليست العبرة في عدد المشاهد التي يؤديها الممثل، بل في تأثيرها، وهذا هو سر تميز وفاء موصللي. لا تؤدي الأدوار، بل تعيشها، تجعلها جزءًا من روحها، فتتحول كل لحظة على الشاشة إلى قطعة فنية صادقة. في “نَفَس”، تثبت مجددًا أنها ليست ممثلة عادية، بل حالة درامية متفردة، قادرة على تحويل المشهد العابر إلى لحظة لا تُنسى.
في النهاية، يظل الأداء العظيم هو ذاك الذي يلمس القلب دون صخب، ويترك أثرًا دون مبالغة، وهذا ما يجعل وفاء موصللي واحدة من أعمدة الدراما السورية، واسمًا لا يمكن أن يمر دون تقدير واحترام.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment