
تيسير إدريس.. سيد التفاصيل وصانع الأدوار المركبة
في عالم الفن، هناك ممثلون يجيدون أدوارًا بعينها، فلا يخرجون عن إطارها، وهناك آخرون يتمتعون بمرونة استثنائية، قادرون على التنقل بين النقيضين، متقنين الخير كما يتقنون الشر. ومن بين هؤلاء القلائل الذين استطاعوا أن يجعلوا من وجوههم لوحةً متعددة الألوان، يجسّدون بها الشخصيات المختلفة بمهارةٍ متناهية، يأتي اسم تيسير إدريس ليُسطّر نفسه في سجل العظماء. إنه ممثل لا يقتصر إبداعه على أداء النص المكتوب، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل الشخصية بروحٍ خاصة، تمنحها عمقًا نفسيًا وتفاصيل تجعلها أقرب إلى الواقع، حتى يكاد المشاهد يشعر أنه أمام شخصية حقيقية، لا مجرد دورٍ يُؤدّى على الشاشة.
وجهٌ قادرٌ على التعبير عن الخير والشر معًا
من النادر أن يمتلك ممثلٌ ملامحَ تسعفه في التنقل بين الشخصيات النقيضة، فتراه في عملٍ ما باعثًا للطمأنينة، صاحب مبدأ يدافع عن الحق، وفي عملٍ آخر يصبح مصدر تهديدٍ ورهبة، تتطاير من عينيه شرارات الخداع والمكر. هذه القدرة الفريدة هي إحدى أبرز ميزات تيسير إدريس، حيث يستطيع أن يكون رجل القانون الذي يُشعرنا بالأمان، كما رأيناه في مسلسل أسياد المال، حين قدّم دور الضابط المسؤول عن كشف ألغاز عصابة سرقت محلًا للمجوهرات، فنراه بشخصيةٍ صارمة، تحمل ملامحها الجدية والمسؤولية، ونبرة صوته تفيض ثقةً وإصرارًا، كأن العدالة قد تجسدت فيه.
لكن، وعلى النقيض تمامًا، يظهر في مسلسل تحت سابع أرض بشخصيةٍ مختلفة كليًا، شخصيةٍ جعلتنا نرى المكر والخداع في ذات الوجه، وكأننا لم نعرفه من قبل. هنا هو رجلٌ يبدو أمام الناس صاحب عملٍ مشروع، يدير مكتب صرافة، لكن في الخفاء هو أكبر مزوّر، يستبدل الأوراق الصحيحة بالمزورة بضحكةٍ ساخرة، لا توحي إلا بقدرته على المراوغة والخداع. يطل علينا في هذا الدور بمظهرٍ يجمع بين الأناقة المزيفة والنوايا الخبيثة، بملامحٍ تحمل من البراءة ما يكفي للإيقاع بضحاياه، ومن المكر ما يجعلنا نشعر بالخطر كلما ظهر على الشاشة.
ملامح تتحدث قبل الكلمات
في التمثيل، ليست الكلمات وحدها ما ينقل المشاعر، بل هناك ما هو أبلغ من ذلك، وهو التعبير البصري الذي قد يفوق في تأثيره أبلغ الحوارات. وهنا، نجد أن تيسير إدريس يمتلك إحدى أقوى أدوات الممثل: عيناه. في أدواره الطيبة، نرى في عينيه الحكمة والهدوء، نظراتٍ ثابتةً تنقل الطمأنينة للمشاهد، تشعرنا بأن الحق لا بد أن ينتصر. أما حين يتلبّس شخصية الشرير، فإن عينيه تتحولان إلى نافذة مظلمة تُطل منها نوايا الإيذاء، ويصبح بريقهما أداةَ تهديد، تجعلك تُدرك أن ما يُحاك في رأسه لا يبشّر بخير. هذه القدرة على تحويل النظرات إلى أداة درامية تُضيف إلى الشخصية أبعادًا عميقة، تجعلها أكثر واقعية، وأشد تأثيرًا.
الأداء العفوي.. حين يصبح التمثيل طبيعةً لا تكلّفًا
الكثير من الممثلين يجتهدون لإتقان أدوارهم، فيبذلون جهدًا ملحوظًا قد يُشعر المشاهد بأنهم يمثلون، لكن تيسير إدريس ينتمي إلى فئة الفنانين الذين يؤدون أدوارهم دون أن يشعر المشاهد بأي تصنع أو افتعال. إنه من أولئك القادرين على جعل الأداء يبدو طبيعيًا كأنه جزءٌ من شخصيتهم الحقيقية، حتى يكاد المشاهد ينسى أنه أمام عملٍ درامي، وينغمس في تفاصيل الشخصية كأنها حقيقية.
لا يظهر عليه الجهد في إسقاط نفسه داخل الشخصية، ولا يبدو وكأنه يعاني في إقناعنا بصدق أدائه، بل يُقدّم الشخصية وكأنها تولد من داخله، فتنبض على الشاشة بكل تفاصيلها، ابتداءً من نبرة الصوت، مرورًا بطريقة المشي، وانتهاءً بأدق الحركات التي ترسم ملامحها النفسية. هذه العفوية في الأداء لا تأتي من فراغ، بل هي نتاج خبرةٍ طويلة، وموهبةٍ أصيلة، ودراسةٍ عميقةٍ للشخصيات التي يجسدها، بحيث تصبح جزءًا منه، وليس مجرد دورٍ يؤديه.
البصمة الخاصة.. حين يتجاوز الأداء حدود النص
ليست كل الشخصيات الدرامية تُكتب بكامل أبعادها، فأحيانًا يترك النص فراغات تحتاج إلى ممثلٍ قادرٍ على ملئها بإبداعه الشخصي، وتيسير إدريس هو أحد أولئك الذين لا يكتفون بأداء الكلمات المكتوبة، بل يضيفون من عندهم ما يمنح الشخصية أبعادًا أكبر، وإحساسًا أعمق. فهو لا يعتمد على الحوار وحده، بل يستغل كل ما يمكن توظيفه من أدوات: الصمت حين يكون أكثر بلاغة من الكلام، النظرة التي تختصر موقفًا كاملًا، نبرة الصوت التي تتلون وفق الحالة النفسية للشخصية، والإيماءات التي تُعبّر عما يدور داخلها.
هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد لا يلتفت إليها المشاهد العادي بشكل واعٍ، هي ما يجعل أداءه متماسكًا ومؤثرًا، ويُثبت أن الممثل الحقيقي هو من يمنح الشخصية بعدًا إنسانيًا حقيقيًا، يجعلها أقرب إلى الواقع، وأشد تأثيرًا في وجدان الجمهور.
ختامًا.. فنانٌ من طرازٍ نادر
ليس من السهل أن تجد ممثلًا قادرًا على التحرك بين أدوارٍ متضادة دون أن يفقد مصداقيته، ولكن تيسير إدريس يفعل ذلك بمهارةٍ تُحسد. إنه الفنان الذي يجعلنا نرتاح حين نراه في دور رجل القانون، ونشعر بالقلق حين يظهر بدور المجرم. إنه الممثل الذي لا يحتاج إلى ضجيجٍ درامي ليثبت براعته، بل يكفي أن يظهر على الشاشة، فتشعر بأنك أمام شخصية حقيقية، بملامحها وأعماقها وتعقيداتها النفسية.
في كل عمل يشارك فيه، يترك بصمةً لا تمحى، ويُثبت أن التمثيل ليس مجرد أداءٍ للحوار، بل هو فنٌّ متكاملٌ، يتطلب فهمًا عميقًا للنفس البشرية، وقدرةً على منح الشخصية حياةً تتجاوز حدود الورق. وتيسير إدريس، بلا شك، أحد أولئك القادرين على صنع هذه الحياة، وجعلها تنبض على الشاشة بكل ما تحمله من تفاصيل، فيتحول من ممثلٍ إلى مبدع، ومن مؤدٍ إلى فنانٍ يكتب اسمه بأحرفٍ من ذهب في سجل الكبار.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment