
رفعت طربيه.. ملك المسرح المجنون في رائعة هاملت
حيث يلتقي العقل بالجنون، والحياة بالموت
في أروقة المسرح، حيث تُبعث الأرواح من بين الكلمات، وتتحوّل النصوص الكلاسيكية إلى كيانات حيّة، يعود إلينا العملاق المسرحي رفعت طربيه ليجسد دورًا لا يُمثَّل بل يُعاش، في نسخة جيرار أفيديسيان المغايرة لمأساة “هاملت”. هذه ليست مجرد إعادة تقديم لنص شكسبير، بل هي بعث جديد له، رؤية تعيد ترتيب الأحداث داخل عقل بطلها، حيث لا تسلسل زمني، بل زوبعة من الذكريات، لا حبكة متماسكة، بل شظايا ماضٍ تتداخل في لحظات الاحتضار الأخيرة.
هنا، لم يكن “هاملت” الأمير المترقب للانتقام فحسب، بل كان الإنسان المتصارع مع ذاته، المسجون داخل عقله، العالق بين الخيانة والانكسار، بين الحب والفقد، بين الجنون والحقيقة.
خشبة المسرح.. فضاء الجنون والعبث
المشهد المسرحي كان نقيًا، متقشفًا إلى أقصى الحدود، كأنما أُفرغت الخشبة من كل الزوائد، ليبقى الجوهر وحده. شخصان فقط يرافقان رفعت طربيه، إلى جانب شمعتين وبرادي بيضاء، في تكوين بصري يوحي بالسجن والانعزال، وكأننا في عقل هاملت نفسه، حيث لا مكان إلا للظلال والأشباح.
هذا الفراغ لم يكن نقصًا، بل كان إغناءً؛ فحين تخلو الخشبة من الزحام البصري، تتسع لحضور الممثل، تتكثف فيها الكلمة، وتصبح كل حركة، كل صمت، كل التفاتة، مرآة تعكس حالة البطل الداخلية. هنا، لم يعد الديكور مجرد خلفية، بل صار انعكاسًا لحالة هاملت النفسية، حيث العزلة والخوف والقلق الوجودي يتجسدون في الفضاء ذاته.
رفعت طربيه.. وحش الخشبة الذي لا يُروض
في حضرة رفعت طربيه، المسرح ليس مجرد منصة، بل هو مملكة، وهو ملكها المتوَّج، ليس بتيجان الذهب، بل بالحضور الطاغي، بالقوة الجارفة التي تخرج من صوته، من نظراته، من حركاته التي تمتلك الخشبة كأنما هي امتداد لجسده وروحه.
رفعت طربيه لا يؤدي الدور، بل يتماهى معه، لا ينطق الكلمات، بل ينفثها كالشرر، لا يسير على الخشبة، بل يحلّق فوقها. كل إيماءة كانت تحمل معنى، كل وقفة كانت صرخة، وكل صمت كان مشحونًا بالانفعالات التي تجتاح المتفرج كما لو أنه في عين العاصفة.
هاملت الذي قدّمه طربيه لم يكن بطلًا تراثيًا يعيد سرد قصة الانتقام، بل كان إنسانًا تائهًا في ذاكرته، يتلمّس الخيانة التي أكلت قلبه، والأم التي خانت، والعم الذي غدر، والحبيبة التي أفلتت من يديه كطيف حلم. في هذه اللحظات، لم يكن طربيه ممثلًا، بل كان هاملت ذاته، بجنونه وثورته، بانكساره ويأسه، بصراخه وصمته.
بلاغة الصمت وعبقرية الأداء
في المسرح، ليست العبرة بعدد الكلمات، بل في ثقلها، في المساحات التي تفصل بينها، في الإيقاع الذي يحكمها. وهنا، بلغ رفعت طربيه قمة العبقرية، حين جعل من الصمت لغة، ومن النظرات عبارات، ومن التنفس إيقاعًا دراميًا.
في لحظة، كان صوته يهدر كالعاصفة، يملأ المسرح بجنون هاملت، ثم يخفت إلى همس، يكاد يكون اعترافًا سرّيًا يختبئ خلفه ألم لا يُحكى. تعابير وجهه تنقلت بين الغضب واليأس والسخرية المُرة، كأنما يحاول أن يسخر من عبثية القدر، من المؤامرة التي أحكمت قبضتها عليه، من الموت الذي يقترب ولا مفرّ منه.
النص كرؤية ذهنية.. متاهة داخل العقل
في هذه المسرحية، لم تعد الأحداث تُروى كما كتبها شكسبير، بل أعيد ترتيبها وفقًا لما يدور في ذهن هاملت، قبل لحظات من الموت. هنا، المسرحية ليست مجرد مشاهد تُعرض، بل هي أفكار تتجسد، ذاكرة تُبعث من رمادها، هواجس تتحوّل إلى كائنات حيّة.
هذه التقنية جعلت العرض أكثر حميمية، أكثر سوداوية، وأكثر تفكيكًا للعقل الإنساني وهو يواجه لحظاته الأخيرة. لم يعد السؤال: ماذا سيحدث؟ بل أصبح: كيف يتذكر هاملت حياته؟ كيف يعيد تشكيلها في عقله قبل أن يلفظ أنفاسه؟ هنا، المسرح لم يكن مجرد منصة للسرد، بل نافذة إلى عقل شخصية تحتضر، تحتدم بداخلها التساؤلات، ولا تجد لها إجابات.
إخراج لينا أبيض.. حين تتحول الفكرة إلى نبض
في رؤية إخراجية دقيقة، قادت لينا أبيض هذا العمل بحرفية عالية، مفسحة المجال أمام أداء طربيه لينطلق دون قيود، لكنه في الوقت نفسه، كان ضمن رؤية محسوبة، حيث كل تفصيل كان يخدم الفكرة الأساسية.
اختيار البساطة في الديكور لم يكن مجرد قرار جمالي، بل كان استراتيجية، جعلتنا نغوص أكثر في عقل هاملت. كل تفصيل على المسرح كان يحمل دلالة، حتى الإضاءة التي لعبت دورًا محوريًا، حيث تحوّلت إلى أداة نفسية تعكس حالاته المتبدلة بين اليأس والجنون.
ختامًا.. مسرح يلامس المطلق
الملك المجنون لم تكن مجرد مسرحية، بل كانت تجربة، رحلة في عقل رجل يحترق بأسئلته، يغلي بأحزانه، ويواجه لحظة زواله بشجاعة وجنون. رفعت طربيه لم يكن ممثلًا في هذا العرض، بل كان روح هاملت المتجسدة، بحزنها العميق، بتمردها الذي لا يخمد، بصراخها في وجه القدر.
إنه المسرح في أسمى صوره، حيث لا حاجة إلى مؤثرات ضخمة ولا ديكورات فخمة، بل يكفي جسد ممثل، صوته، روحه، ليملأ الفضاء بالحياة والموت في آنٍ معًا. رفعت طربيه لم يقف على الخشبة، بل امتلكها، تماهى معها، جعلها امتدادًا لذاته. في نهاية المسرحية، حين ألقى خطابه الأخير، لم يكن يخاطب شخصيات العمل، بل كان يخاطبنا جميعًا، كأنما يقول لنا: هذه ليست قصة هاملت فقط، بل قصة كل إنسان يبحث عن الحقيقة في عالم يسوده العبث.
لقد كانت لحظة احتضار هاملت، لكنها كانت أيضًا لحظة ولادة مسرح جديد.. مسرح يلامس المطلق.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment