Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

نهاد الشامي: عندما يكتب الألم معجزته – شربل الغاوي

مايا يمين بدور نهاد الشامي

نهاد الشامي: عندما يكتب الألم معجزته

مايا يمين: تجسيد روح نهاد الشامي ببراعة وألم

في عالمٍ يعجّ بالحكايات، تبقى بعض القصص منقوشة في وجدان الإنسانية، لا لأنها حدثت وحسب، بل لأنها شهادة حيّة على الصبر، الإيمان، والمعجزة. “نهاد الشامي” ليس اسمًا عابرًا في التاريخ، بل روحٌ كُتبت بمداد الألم، ونُقشت في سفر الأقدار بحروف الفداء، حتى غدت صرختها صلاة، وجراحها نورًا يشعّ من قلب المعاناة.

هذه المرأة، التي لم تعرف للحياة طعمًا إلا طعم المرارة، حملت صليبها بصمت، وسارت في درب الجلجلة بكل ما فيه من آلام، حتى بلغت قمة الفداء. إنها قصة الإيمان الذي ينبثق من رحم الألم، والمعجزة التي لم تأتِ لتغيّر واقعها، بل لتُظهر للعالم أن السماء لا تنسى أبناءها.

حياة لم تعرف الراحة

وُلدت نهاد الشامي في كنف الفقر، وكأن الدنيا أبت أن تمنحها لحظة هناء منذ نعومة أظفارها. لم تعش طفولةً سعيدة، ولم تحلم بمستقبلٍ زاهر، بل كانت حياتها سلسلة من التضحيات التي بدأت بزواجها وهي لا تزال شابة، ليدخل القدر بها إلى عاصفة جديدة من الألم.

تزوجت نهاد برجلٍ يدعى سمعان، وعلى الرغم من أنها أنجبت منه اثني عشر طفلًا، لم تعرف معنى الحبّ والحنان، بل كانت تعيش في كنف قسوة زوجها وبطش حماتها حنّة، تلك المرأة التي لم تكتفِ بحرمانها من السعادة، بل زادت الطين بلّة حين حرضت ابنها على ضربها، بل وأرسلت الجيران ليزيدوا من قهرها وأوجاعها.

كم من ليلةٍ نامت نهاد والدموع تحرق وجنتيها؟ كم من مرةٍ حاولت أن تصرخ، لكن صوتها كان يتلاشى في أرجاء المنزل، ليصطدم بجدران القهر والظلم؟

لم يكن لديها من تلجأ إليه سوى الله وحده، ففي ظلمة غرفتها، كانت ترفع عينيها نحو السماء، تهمس بخشوع:

يا عدرا، دخيلك، خذيني لعندك، ما بقى فيي اتحمل.

لكن السماء كانت تدرك أن وقتها لم يحن بعد، وأنها لم تُخلق لتستسلم، بل لتكون شهادة حية على قدرة الله.

حتى عندما حاولت الفرار من هذا الجحيم بإنهاء حياتها، وقف أمامها ولداها كملائكة مرسلين، يمنعونها من ارتكاب ما لا رجعة فيه، ليكونا لها شعاعًا يضيء ظلامها، وصوتًا يقول لها: تمسّكي بالإيمان، لا تتركي الله وحده في هذه المعركة.

المرض… بوابة القداسة

وكأن الحياة لم تشبع من تعذيب نهاد، حتى بدأت تظهر عليها عوارض المرض، حيث شُخّصت حالتها على أنها فالج ونشفان في شريان الرقبة، ليكون المرض فصلًا جديدًا من قصتها المؤلمة.

مع كل أوجاعها، لم تفارق الصلاة شفتيها، ولم تكن تتذمر من الألم، بل كانت تهمس لربّها بكلماتٍ تهزّ القلوب:

سامحيني يا عدرا، كل دقة مسمار بإيدك يا يسوع مش قد وجعي.

في لحظات الألم القاتل، وبين حدود الأرض والسماء، أتى النور. ففي إحدى الليالي، ظهرت السيدة العذراء أمامها، كما كانت تفعل منذ صغرها، لتكون لها العزاء والرجاء في وسط العاصفة.

المعجزة: القديس شربل يتدخل

كانت نهاد تصارع المرض بصمتٍ وإيمان، حتى زارها قديس لبنان، مار شربل، وقال لها بملء الحب

لا تتركي الناس، الناس تركوا الصلاة، وأنا موجود دائمًا في المحبسة. أطلب منك أن تأتي إليّ كل ٢٢ من الشهر.

وفي لحظة إلهية، حضر رهبان نورانيون ليجروا لها عملية جراحية في رقبتها، وحين استيقظت، كان الجرح ينزف يوم ٢٢ من كل شهر، كأنه شاهدٌ حيّ على قوة الإيمان، وكأن السماء اختارتها لتكون رسولة معجزة مار شربل في هذا الزمن.

من الألم إلى الشاشة الكبيرة

بإبداعٍ سينمائي فريد، استطاع المخرج سمير حبشي أن ينقل هذه القصة إلى الشاشة، مجسّدًا الألم، العذاب، والمعجزة في عملٍ سيبقى خالدًا في ذاكرة السينما اللبنانية.

أما الأداء الذي قدّمته مايا يمين في دور نهاد الشامي في كِبَرها، فكان أكثر من استثنائي. لم تكن مايا تمثل فحسب، بل كانت تعيش كل لحظة من حياة نهاد، تنقل آلامها، ضعفها، صبرها، وقوّتها المتجذّرة في الإيمان. كان صوتها يفيض بالمعاناة، ونظراتها تحكي قصصًا من الألم، وكأنها استدعت روح نهاد من الماضي لتجعلها تنبض مجددًا على الشاشة.

في كل مشهدٍ، كانت مايا تبحر في أعماق شخصية نهاد، تجسّد خوفها، حزنها، ضعفها، ولكن في الوقت ذاته قوّتها الخفيّة التي جعلت منها رمزًا للصمود. مشاهدها الصامتة كانت توازي في تأثيرها الحوارات العميقة، حيث نقلت من خلالها الألم الذي لا يحتاج إلى كلمات، والرجاء الذي لا يُترجم إلا بدمعةٍ صادقة.

مايا يمين لم تكن تؤدي دورًا، بل كانت تجسيدًا حيًا لروح نهاد.

أما تريزيا طوق فقد جسّدت دور نهاد في طفولتها ببراءة مدهشة، بينما قدّمت ميليسا عزيز صورة نهاد في مراهقتها بواقعية مؤثرة، لتكتمل بذلك لوحة فنية ترسم مسيرة القداسة وسط الألم.

ختامًا… رسالة تتخطى الزمن

ليست قصة نهاد الشامي سيرة ذاتية لامرأة عانت فحسب، بل هي رسالة سماوية تخترق الزمن، لتقول لكل من يعاني: تمسّكوا بالصلاة، ففي قلب الألم تكمن المعجزة.

بين دموعها وصبرها، بين ظلمها وقيودها، وبين مرضها ومعجزتها، تحوّلت نهاد من امرأةٍ مسحوقة إلى شعلة إيمان لا تنطفئ، ومن جسدٍ معذّب إلى رمزٍ للحياة الروحية العميقة.

فمن كان يظنّ أن الجراح التي أثقلت جسدها ستصبح يومًا دليلًا حيًا على حضور القداسة؟

قد تكون قصتها بدأت بالألم، لكنها بالتأكيد لم تنتهِ عنده، بل استمرت كشهادة أبدية على أن الله لا يترك أولاده، وأن من يؤمن، يرى المعجزة بعينيه.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment