
حايرة … كيف جعل عمر حمدان الأغنية أيقونة لا تُنسى؟
هناك أصواتٌ تُخلقُ لتكونَ مجرد صدى، وأخرى تُولدُ لتكونَ نبضًا في ذاكرةِ الزمن، تُحيي المشاعر، وتُحرّك الدموع قبل الابتسامات. عمر حمدان، هذا الصوت الذي لا يشبه أحدًا، استطاع أن ينحتَ اسمه في وجدان المستمعين، لا بصخب الشهرة، بل بهدوء الإحساس، بقوّة الكلمات، وبعمق المشاعر التي تسكنُ كل نغمةٍ يُغنيها. لم يكن مجرد مغنٍّ، بل كان عاشقًا لكل حرفٍ يلفظه، ولكل لحنٍ ينساب من بين أوتاره الصوتية كأنه موجةُ بحرٍ تحمل معها السرّ والحنين.
حايرة… الأغنية التي سَحَرت الجميع
حين يُذكر اسم “حايرة”، لا يُذكر كأي أغنيةٍ عادية، بل كأيقونةٍ خالدة في ذاكرة المستمعين، أغنيةٌ وُلدت من رحم الفولكلور العراقي، لكنها لم تكن مجرد تراثٍ يُعاد ترديده، بل تحوّلت إلى حالةٍ وجدانية نادرة، كأنها وشمٌ لا يمحوه الزمن، كأنها رسالةٌ غير مكتملة، نقرأ منها ما نستطيع، ونشعر بما لا يُقال.
لقد كانت هذه الأغنية اختبارًا لقدرة المستمع على الانغماس في الإحساس، ورغم صعوبة كلماتها، حفظها الناس بحبّ، حتى لو غنّوها خطأ. لم تكن المسألة في النطق الصحيح، بل في ذلك السحر الغريب الذي سكن اللحن والصوت، كأن الأغنية لم تكن تُغنّى بل كانت تُحكى… تُروى كما تُروى الحكايات القديمة حول نيران الحنين في الليالي الطويلة.
ورغم أن كثيرين لم يعرفوا في البداية من هو الفنان الذي منحها هذا السحر، إلا أن الإجابة جاءت واضحة كضوء الفجر: عمر حمدان. بصوته الذي يقطرُ إحساسًا، وبمرافقة الموزع الموسيقي العبقري رافي، استطاعا أن يمنحا الأغنية حياةً جديدة، جعلتها لا تُنسى.
أداء عمر حمدان في “حايرة”… إحساس يسبق الصوت
هناك فرقٌ شاسع بين أن يُغنّي الفنان، وبين أن يحيا الأغنية، أن يتنفسها، أن تكون جزءًا من روحه قبل أن تصل إلى مسامع الآخرين. عمر لم يكن يؤدي “حايرة” كمجرد لحنٍ آخر، بل كان يعيشها، كأنها حكايته الشخصية، كأنه يروي وجعه، كأنه يغنّي حبًا ضائعًا يسكن بين ضلوعه.
حايرة والشوق بين عيونك، خايفة تحبين ويلومونك
عبارةٌ تختصر معاناةً مكتومة، صراعًا داخليًا بين العاطفة والخوف، بين الانجراف في الحب والخشية من تبعاته. في صوته، هناك نبرة انكسار، ليست حزينة تمامًا، لكنها ليست سعيدة أيضًا، إنها بين بين، في تلك المنطقة الرمادية من المشاعر، حيث يقف الإنسان على حافة الحنين، بين الرجاء واليأس، بين الأمل والخذلان.
حين يغنّي باقية بنص الدرب محتاره.. ما تعرفين هذا العشق وأسراره”، تشعر وكأن الكلمات تخرج من أعماق قلبه، لا من حنجرته فقط، كأنها تنهيدة طويلة، كأنها سؤال لا ينتظر جوابًا. في صوته في هذه الأغنية، هناك بريقُ رجاء، لكنه رجاءٌ ممزوج بالخوف، كأن القلب يعرف أن الأمل قد يكون وهماً، لكنه يتمسّك به رغم ذلك.
هذه الأغنية تثبت أن عمر حمدان ليس مجرد فنان، بل هو راوٍ للمشاعر، ينسج بأوتار صوته قصصًا قد تكون قصصنا نحن، لكنه يمنحها صوتًا، لحنًا، وحياةً.
عمر حمدان… صوته مرآةُ القلب
لم يكن عمر مجرد مغنٍّ، بل كان عاشقًا للأغنية، يغنيها وكأنه يروي حكايته الخاصة، بصوتٍ دافئ، قادرٍ على حمل كل درجات الحزن، وكل ألوان الشوق. كل نغمةٍ يطلقها كانت تحمل شيئًا منه، من روحه، من إحساسه الصادق الذي جعل المستمعين لا يكتفون بالسماع فقط، بل يشعرون… بكل شيء.
قد تتغير الموسيقى، وقد يأتي زمنٌ تُصبح فيه الألحان أسرع، والكلمات أبسط، لكن هناك أصواتًا خُلقت لتبقى، كضوء القمر، مهما أشرقت شمس الأغاني الجديدة، سيظل نوره حاضرًا في ليالي العاشقين.
عمر حمدان ليس مجرد مغنٍّ، بل حالةٌ شعورية متكاملة، صوتٌ يُشبه الدفء في ليالي الشتاء، والحنين في أوقات الوحدة، والبسمة المختلطة بالدموع في لحظات الضعف. إنه الصوت الذي لو غاب يومًا، ستظل أصداؤه تتردد في القلوب، لأنه ببساطة، صوتٌ لا يُنسى.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment