
إيوان… نجم غنّى فارتبطت به القلوب
في زمنٍ تكاثرت فيه الأصوات وتبعثرت فيه الهويات، بزغ نجم إيوان كوميضٍ صادق في سماءٍ فنيّة مثقلة بالاستنساخ والتكرار. لم يأتِ صدفة، ولم يكن عابرًا في فضاء الفن، بل دخل المشهد بخطى ثابتة وروح تحمل وعيًا نادرًا لما يريد أن يكون. لم يتكئ على ضوضاء التسويق ولا على صخب الإثارة، بل اختار أن يسير على درب الفن الرفيع، دون أن يتنازل عن روحه الشبابية ولا عن ملامحه العصرية. إيوان لم يكن مجرد صوت، بل كان حالة، مزج فيها الإحساس بالذكاء، والكلمة بالهوية، والنجاح بالتواضع.
حين أطلق أغنيته الأشهر “قول إنشالله”، لم يكن يعلم أنه سيشعل شرارة فنية ستغير مسار الأغنية الشبابية. كانت الأغنية مزيجًا فريدًا من الشرق والغرب، لحن يوناني يكتسي بعبق الطابع الشرقي، أداء سلس لا يخلو من العمق، وكلمات لامست قلوب الشباب الباحثين عن لغة تعبر عنهم دون تصنّع. في وقتٍ كانت فيه بعض الكليبات تُقتات من الإثارة، جاء كليب “قول إنشالله” نظيفًا، مشبعًا بالحياة، بعيدًا عن التكلف، وفيه من الجاذبية ما يكفي ليحبك الناس دون أن تشعر أنك تُستدرج بصريًا.
لكن المجد الحقيقي لا يُصنع بأغنية واحدة، وهذا ما وعاه إيوان مبكرًا. لم يركن إلى نجاحه الأول، بل تقدّم بخطى ثابتة، مقدّمًا أغنية “ذنبي إيه”، التي أثبت فيها أنه ليس نجمًا عابرًا، بل مشروع فنان يعرف أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بمدى الثبات، وبقدرته على الاستمرار في تقديم عمل صادق ومتماسك.
تبعها ألبومه الذي تضمّن “قلبي سهران”، الأغنية التي حملت نكهة ليلية ساحرة، تعبق بالحب والسهر، وتؤكد أن إيوان لا يقدّم الأغنية لمجرد الإيقاع، بل يغوص في حالة شعورية تلامس المستمع من الداخل. في كل كلمة، في كل طبقة صوت، كان هناك شيء يشبهه: دفء، صدق، وتوقٌ إلى الحلم.
ومع توالي الأعمال، برزت “أهلاً وسهلاً بالعزيز الغالي”، تلك الأغنية التي خرجت من إطار الأغاني العاطفية إلى فضاءات اجتماعية أرقى. فيها من حرارة اللقاء ما يجعلها ترنيمة بيتية، تُغنى في الأعياد والولائم، وتشعر حين تسمعها وكأنك بين أحبّتك، تحملك الأغنية إلى حضن العائلة، إلى دفء الصداقات، وإلى الوجوه التي نحبها ببساطتها.
ولأن إيوان لا يُصنّف ضمن قالب واحد، أعطى للأغنية الرومانسية حقها، فكانت “ولا في الأحلام”، أغنية تشبه الهمس، فيها من الرقة ما يعيدنا إلى زمن الحب النقي، زمن العيون الصافية والقلوب البيضاء. هي ليست مجرد أغنية، بل حالة وجدانية، تجعل المستمع يعيش الحلم، ولو لثلاث دقائق فقط.
ومن الأغاني التي لا تشيخ مهما مرّ الزمن، تبقى “ما حدا غيرك”، تلك الأغنية التي تحولت إلى نشيد عاطفي يختزل الحب في أوصفه الأنقى. هي من تلك الأغاني التي مهما تكرّرت لا تبهت، لأنها صيغت بإحساس لا يتقادم، وشغف لا يتأثر برواج أو موضة.
لكن ربما من أصدق ما قدّمه إيوان في مسيرته، كانت أغنية “لبناني”. فهنا، لم يكتفِ بالغناء، بل حمل رسالة وطنية صادقة. لم يكتفِ بالكلام عن لبنان، بل وجّه تحيّة لكل فنان رفع اسم هذا الوطن في العالم. في زمن الانقسام، جاء هو ليجمع، في زمن التشتت، جاء ليذكّر أن الفن اللبناني باقٍ، وأن لبنان، رغم الجراح، لا يزال ينجب من يُغني له بصدق، لا بمصلحة.
إيوان ليس نجم صدفة، بل نجم مسيرة. هو ذلك الفنان الذي خبر طعم الشهرة، وسكرات الغياب. عرف قسوة أن تكون في القمة ثم تُسقطك الظروف، لكنه أيضًا عرف كيف ينهض، وكيف يعود إلى جمهوره بشموخ، دون أن يغيّر جلده أو يتنازل عن مبادئه. لم يركض خلف الشهرة، بل جعلها تأتي إليه، لم يسعَ لخلق ضجيج حوله، بل ترك صوته يتحدث، وأغانيه تشهد.
واليوم، حين نسمع اسم إيوان، لا نسمع مجرد فنان غنّى، بل نسمع حكاية، نسمع روحًا، نسمع رصانة فنان وحنكة شاعر، ونبض موسيقي يعرف كيف يجعل من الأغنية نبض حياة.
في عالمٍ سريع، تتبدّل فيه الأسماء، وتذبل فيه الأصوات، يبقى إيوان من أولئك القلائل الذين كلما عادوا، شعرنا أن الفن لم يُبعدهم عنّا. لأن الفن الحقيقي لا يُنسى، بل يعيش، ويتجدّد، تمامًا كصوت إيوان.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment