Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

ريان… ذلك الذي يُغنّي وجعَ ما لا يُقال، ويصمتُ بما يصرخُ فينا – شربل الغاوي

ريان

ريان… ذلك الذي يُغنّي وجعَ ما لا يُقال، ويصمتُ بما يصرخُ فينا

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات كما لو كانت نسخًا رديئة من شريطٍ باهت، وفي عصرٍ انحدر فيه الفنّ إلى زينةٍ صوتيّة تُغلَّف حسب الطلب، يخرج صوت ريان من عمق السكون، لا ليُحدث ضجيجًا، بل ليُعيد تعريف الصمت. صوتٌ لا يُشبه إلا نفسه، كأنّ في نبراته ذاكرةَ عاشقٍ تكسّرت على أرصفة الخيبات، وكأنّ كل جملةٍ فيه كُتبت بحبرِ دمعٍ لم يُذرف بعد.

ريان ليس فنانًا يغنّي فحسب، بل هو كائنٌ شعوريّ، مخلوقٌ من فتات القلوب المنسيّة، ومن وجعٍ أصرّ على أن يكون جميلًا. هو النغمة التي لم تألفها آذاننا المُرهقة من الابتذال، والجرح الذي لا ينزف دمًا بل ألحانًا. حين يُغنّي، لا تسمعه فقط، بل تعيشه: تسقط معه، تنهض، تحزن، وتتعافى. ليس صدى صوتٍ عابرًا في ردهات الفن، بل إقامةً دائمةً في ذاكرة المستمع ووجدانه.

الفنّ كمرآة للذات: ريان لا يُغنّي، بل يُفكّك نفسه

في عالمٍ تماهى فيه الأداء مع التصنّع، والإحساس مع الأثر العابر، يأتي ريان ليذكّرنا أنّ الغناء فعلُ صدقٍ لا مهنة، وأنّ الأغنية ليست سلعةً تُسوّق، بل حالةٌ تُعاش. أن يكون الفنان قادرًا على تحويل وجعه الشخصي إلى مرآة نُطلّ من خلالها على أوجاعنا، فتلك ذروة الفن.

ريان لا يكتب أغانيه بالحبر، بل بنبضه. لا يرصّ كلماته على وقع القافية، بل وفقًا لتراتبية الألم. لا يسعى لإدهاشنا، بل لملامستنا من الداخل. لا ينتظر التصفيق، بل يترقّب تواطؤًا عاطفيًا شفافًا. حين يسترسل في الغناء، تشعر أنّ الحنجرة ليست مصدر الصوت، بل القلب. كأنّ كل نغمةٍ شهقةُ صدق، وكل مقطعٍ رجفةُ ذاكرة.

كانت روحي، أحلى غرام، وين بروح، ما حرام

كلّ واحدةٍ من هذه ليست عنوانًا لأغنية فحسب، بل علامةُ طريقٍ عبرناه يومًا. خرائط شعوريّة مرسومة بصوتٍ يحمل صدق العاشق وجرح الإنسان. في كل لحنٍ منها، يذكّرنا ريان أنّ الحنين ليس ضعفًا، وأنّ الانكسار لا يُلغي القدرة على الوقوف، وأنّ الحبّ حين يذبل، لا يعني أنّه لم يُزهر يومًا.

أغاني ريان ليست للعرض، بل للحفظ. ليست أعمالًا عابرة، بل محطّاتٍ دافئةً في الذاكرة. في كلّ أغنيةٍ نلمح الحبّ حين يتعب، والرحيل حين يصبح ضرورة، والمشاعر حين تصارع لتبقى. كلّ عملٍ يقدّمه، هو حكايةٌ غير مكتملة، نكملها نحن بما عشناه، وكلّ جملةٍ منها تفتح جرحًا وتخيطه بهدوء.

ما بزعل ع حدا … صدى النضج الصادق

حين قدّم ريان أغنيته “ما بزعل ع حدا”، لم يكن يُضيف عملًا جديدًا إلى رصيده، بل كان يكشف قناعًا عن مرحلةٍ من ذاته. كتبها أحمد ماضي بصدقٍ جارح، ولحّنها ريان كمن يغرف من أعماقه لحنًا بعد لحن. لم تكن نشيدَ وجعٍ آخر، بل اعترافًا داخليًا خافتًا، فيه من المواجهة ما يكفي ليكون صفعةً واحتضانًا في آنٍ معًا.

أنا ما بزعل ع حدا، مش يعني ما عندي دم، أنا ما عندي حدا، أخدوا الضحكة وتركوا الهمّ

في هذا المقطع، يضع ريان يده على جرحٍ يلمسه كثيرون، لكنه قلّما يُقال. الوحدة ليست قسوة، والصمت ليس نسيانًا، بل لحظةُ مواجهةٍ لا ضعف فيها، بل قوّةُ الذي عرف نفسه وقرّر ألا يخجل من هشاشته.

ريان… حين يتحوّل الفنّ إلى خلاص

في هذه المرحلة، لم يعُد ريان صوتًا جميلًا فحسب، بل صار شهادةً شعوريّة، وميثاقًا مكتوبًا بين القلب والموسيقى. نضجه لم يأتِ على حساب الإحساس، بل تجلّى من خلاله. لم يتخلَّ عن الرومانسيّة، بل أعاد تعريفها: ليس الحبّ هو الغاية، بل الصدق في عيشه، في فَقْده، في تذكّره، وفي الغناء عنه.

هو لا يُجمّل حزنه ليرضي جمهورًا، بل يقدّمه كما هو: نقيًّا، قاسيًا، نبيلاً. في كلّ أغنيةٍ يمنحك خيارين: إمّا أن تبتعد إن لم تَشعر، أو أن تغرق إن كنتَ مستعدًّا للغوص في ذاتك. لا يُساوم على إحساسه، ولا يُبسّط معاناته. هو نهرٌ يمشي بعكس التيار، لأنّ الصدق لا يحتاج وجهة.

الخاتمة: حين يصبح الغناء فعلَ نجاة

ريان هو ذاك الفنان الذي، كلّما غنّى، توقّف العالم لحظةً وتكلّمت القلوب بدل الألسنة. صوته لا يُبهر بقدراته، بل يُربك بصدقه. لا يقدّم نفسه نجمًا، بل مرآة. في زمنٍ كثرت فيه الأصوات وقلّ فيه الإحساس، يبقى ريان ذلك الذي يُغنّي بما لا يُقال، ويصمتُ بما يصرخ فينا.

هو ذاكرةُ صوتٍ لا تُنسى، وصوتُ ذاكرةٍ لا يخون.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment