
جو قديح… اسمٌ من أوائل من صاغوا الكوميديا بلغة اللبنانيين
ليس جو قديح مجرد مخرجٍ وممثلٍ لبنانيّ عابرٍ في ذاكرة الخشبات، بل هو حالةٌ فريدةٌ انفلتت من قوالب المسرح التقليدي، لتؤسس مسارًا خاصًا يتنفس وجع الناس بضحكةٍ تحمل بين طياتها مرارة الأزمنة.
بجرأة الرائي، وبعفوية الحكواتي، شقّ قديح طريقه بين ركام النصوص النمطية، ليصبح واحدًا من أوائل من ابتكروا مفهوم “الستاند أب كوميدي” اللبناني، يوم لم تكن الضحكة المجروحة قد وجدت بعدُ مكانها في قاموسنا الفني.
حين كانت المسارح تكتفي بإعادة تدوير الحكايات القديمة، وقف جو قديح وحيدًا كصوتٍ من قلب الشارع. التقط بخفة الراقص فوق الجراح تفاصيل حياة اللبنانيين اليومية: هموم الشباب، معاناة السهر، سخريات الواقع، تناقضات الدردشة، عبث التصوير، وضجيج التحولات الاجتماعية… كلّها نسجها بخيوط من سخريةٍ دامعة، ولغةٍ تحاكي بصدقٍ ما يعتمل تحت سطح الوجوه.
في مسرحيته الشهيرة “حياة الجغل صعبة”، كما في العديد من أعماله الأخرى، كان قديح سابقًا لزمنه. رصد بإحساس المراقب الدقيق ملامح عصرٍ يتبدل، وكأنّه كان يكتب مذكرات المستقبل حين كنا نحن لا نزال نحبو في طرقاته.
جو قديح ليس ممثلاً فحسب، بل هو مسرحيّ من طرازٍ نادر، من أولئك الذين يحوّلون المنصّة إلى كائنٍ حيّ يتنفس، يفرح، ويئنّ مع أنفاس الجمهور.
بخفةٍ استثنائية، ينتقل على الخشبة وكأنه يرقص على حبل مشدود بين الحزن والضحك. تكفيه نظرةٌ، أو انحناءةٌ، أو تغيرٌ طفيفٌ في ملامح وجهه، ليشعل المسرح بحالةٍ من التواصل المباشر، الدافئ والعاري، مع المتلقي.
صوته هو الآخر آلةٌ من آلات التعبير؛ يتموّج بين الجد والسخرية، بين الغضب والتهكم، وكأن كل نبرةٍ فيه تحمل طبقات من المعاني المتشابكة.
أما يديه وجسده، فهما امتداد لكلماته؛ تراه أحيانًا يحكي بجسده قبل أن ينطق، وكأن الحركة عنده نصٌ موازٍ للكلام، وكأنّ الهواء حوله يتواطأ معه لرسم المشهد.
ومع ذلك، لا يغتر جو قديح بالإبهار الخارجي، ولا يستسلم لمغريات الديكور والعدّة المسرحية الثقيلة. يكفيه كرسيٌّ وحيدٌ في فضاء الخشبة، ليقيم مسرحًا كاملًا، فيه شوارع المدينة، وهموم العابرين، وضحكات السهارى التي تخنقها الحسرة.
في زمنٍ باتت فيه العروض الكوميدية أقرب إلى صخب الاستعراض، تبقى مدرسة جو قديح قائمةً على مبدأٍ بسيطٍ وعميق:
أنّ الضحكة الحقيقية لا تُصنع، بل تُولد من رحم الوجع الصادق.
وأنّ المسرح، في جوهره، ليس مؤثراتٍ ولا بهرجة، بل تلك العلاقة السحرية بين فنانٍ يتنفس قلق الناس، وجمهورٍ يجد نفسه مرآةً على الخشبة.
جو قديح… ليس مجرد فنان، بل هو زمنٌ مسرحيٌّ مستقلّ، فصلٌ خاصٌّ من تاريخ الكوميديا اللبنانية، فارسٌ يقاتل بالكلمة الضاحكة في زمنٍ عزّ فيه الفرح الحقيقي.
هو الرائد الذي عرف أن الضحك حين يكون صادقًا، يصبح خلاصًا… وحين يكون جارحًا، يصير شهادةً على عصرٍ يمضي بأثقاله فوق كاهل الإنسان.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment