Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

ميشال فاضل… حين يتكلّم البيانو، وتصغي الحياة – شربل الغاوي

ميشال فاضل

ميشال فاضل… حين يتكلّم البيانو، وتصغي الحياة

ليس عازفًا عاديًّا ولا مؤدّيًا تقليديًّا يلتزم بالنوتة كما كُتبت، بل هو شاعر النغم، وكاهن الخشبة، ذلك الذي لا يصعد إلى المسرح ليعزف، بل ليقيم شعائر موسيقية تتجاوز الصدى، وتخترق جدار الحسّ لتقيم في الذاكرة والروح.

حين يجلس ميشال فاضل أمام البيانو، لا تراهم، بل تسمعهم: الأصابع، المفاتيح، الخشب، الهواء، الضوء… كلّها تتحوّل إلى أدوات في معزوفة تتنفس. لا يلمس المفاتيح، بل يلامس نبضها، لا يضغط عليها، بل يحرّر منها أنينًا قديمًا، كان حبيس الصمت والانتظار. كأنّه لا يعزف بيده بل بقلبه، لا يبحث عن جمال اللحن، بل عن لحظة صدق خالصة، فيها يتجسّد كلّ ما عجزنا عن قوله، وما أخفيناه طويلاً في زوايا القلب.

هو لا يبدأ العزف فورًا. يسبق كل نغمة منه وقفةٌ، كأنّه ينصت إلى صوتٍ داخليّ، أو يستأذن حكايةً قديمة لتُروى من جديد. وعندما يبدأ، لا تبدأ المقطوعة فحسب، بل تبدأ الرحلة. رحلة من النور إلى العتمة، من الرعشة إلى الطمأنينة، من الشوق إلى البكاء. وكأنّه لا يؤدّي ما يعرف، بل يستدعي ما يشعر. كل نغمة معه تنقلك، كل فاصلة تسحبك، كل اهتزاز في جسده ينعكس رجعَ نبضٍ فيك.

في حضوره، يصبح البيانو كائنًا نابضًا بالحياة، لا أداةً صمّاء. يتحوّل إلى مرافِق، إلى حبيب، إلى مرآة تعكس تقاطيع الروح. أنامله لا تركض فوق المفاتيح، بل تمشي بتؤدة، كأنّها تخاف أن تجرح سكون النغمة، أو تُوقظ جرحًا نائمًا في قلب المستمع.

في كل عزف له، مسرحٌ صغير يتكوّن: ستارة من نور، صمت معلّق في الهواء، وعيونٌ تلمع كأنّها ترى شيئًا غير مرئي. هناك، في تلك اللحظة، تتوارى الأضواء، ويُنسى التصفيق، ويبقى فقط ذلك الصراع الخفيّ بين نغمةٍ تريد أن تُقال، وعازفٍ يعرف متى يطلقها، وكيف يمنحها روحًا.

هو لا يستعرض مهارة، ولا يركض خلف التأثير اللحظي. بل يذهب بك إلى عمقٍ أبعد، إلى تلك المساحة التي لا يصلها سوى من صدّق أنّ الموسيقى ليست صوتًا بل شفاء. في عزفه، تشفى الأرواح، وتسيل الذكريات، ويتفتّح الحنين كزهرةٍ في آخر الليل. هو لا “يعزف”، بل “يُشفى ويُشفي”، لا “يؤدّي”، بل “يحيا ويميت” عبر كلّ ضغطة، كل همسة، كل تنهيدة تتسلّل من تحت المفاتيح.

وفي ذلك المشهد، لا فرق بين العازف والآلة، لا بين المسرح والجمهور، لا بين الصوت والصمت. كلّهم يصبحون واحدًا، إذ يتحوّل العزف إلى فعل حبّ، إلى صلاة معلّقة في الهواء، وإلى دعوة مفتوحة للذوبان في الجمال.

ميشال فاضل ليس مجرد موسيقيّ، بل هو البيانو نفسه، وقد تجرّد من خشبه ووتَره، واتّخذ شكل إنسان. هو الصوت حين يصمت العالم، واللغة حين تعجز الكلمات، والدمعة حين تختنق في العين. هو النغمة التي تنبت من الوجع، وتزهر دهشةً في قلوب لا تزال تؤمن بالسحر.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment