
جو قديح… صرخة رجلٍ في القصة كلّها لوطنٍ تخلّى عنه طبيبه
هناك عروض تُقدَّم، وعروض تُشاهد، وعروض تُنسى٠
لكن مسرحية “القصة كلّها” لجو قديح لا تُشاهد ولا تُنسى، بل تُعاش.
هي ليست عملًا مسرحيًا بالمعنى التقليدي، بل تجربة روحية، رحلة في شرايين الوطن، حيث النكتة تبكي، والضحكة تختنق، والبيانو يبكي بدلًا منّا.
منذ اللحظة الأولى، يدرك المشاهد أنّه أمام مسرحية لا تتعامل مع النص كمجرد كلمات تُقال، بل كمرآة تنكسر في وجوهنا جميعًا. مسرحية لا تُخاطب العين فقط، بل الضمير أيضًا، لا توازي الواقع، بل تفضحه.
في هذا العمل، لا يتخفّى جو قديح خلف شخصية، بل يواجهنا بصوته المجروح، بضحكته الساخرة، بذاكرته التي تلتقط التفاصيل كأنها حجارة من قلب هذا البلد. رجل على كنبة. طبيب نفسي يعالجه بالموسيقى. بيانو يُجيب بدلًا من الإنسان. فكرة عبقرية في بساطتها، مؤلمة في صدقها.
كل مشهد في المسرحية يُشبه شارعًا نعرفه، غرفةً مررنا بها، ذاكرةً دفنّاها لنكمل حياتنا. من مقاعد الدراسة، إلى ساحات الثورة، إلى غرف المستشفيات، يعبر قديح بنا كأننا خيط واحد مشدود بين ضحكة الأمس ودمعة اليوم.
الطبيب لا يتكلّم. يعزف. لا يُحلّل، بل يُلامس. وبسام شليطا، على البيانو، لا يؤدي دورًا، بل يعيش حالةً، يترجم صمت الطبيب إلى لغة موجعة تفهمها كل نفس لبنانية نازفة. ولأنّ لبنان في ذاته مريضٌ بلا طبيب، تتجلى اللحظة الذروة حين يغادر الطبيب – أي بسام – إلى الكواليس، ويترك جو وحده على المسرح. وحده في العتمة. وحده في السؤال. وحده… تمامًا كما تُرك لبنان.
ما إن يخرج شليطا، حتى تتكثّف الرمزية: هكذا يُترك المريض، وهكذا تُرك الوطن. الكل يغادر، يبقى الصامت وحده يصرخ، والمُنهار وحده يقاتل.
يصرخ جو: “الحرب الأهلية أوسخ حرب!”، ثم يُصحّح بحدّة: “أصلاً ما في حرب مش وسخة!”، ويزرع الحقيقة وسط العرض كما تُزرع قنبلة في حديقة. يتنقّل بين السخرية والمرارة بخفّة مَن تعوّد العيش في الفوضى. لا يبحث عن بطل، بل عن المعنى. لا يجمّل شيئًا، بل يعرّي كل شيء.
في كل لحظة، يؤكّد قديح أنّه ممثلٌ لا يقدّم دورًا بل يؤدّي وظيفة مسرحية وطنية. يستخدم صوته كما تُستخدم آلة موسيقية، يصعد بجملة ويهبط بأخرى، يحوّل الصمت إلى معنى، والحركة إلى لغة. لا يصرخ إلا حين تنفد الاحتمالات، ولا يضحك إلا ليُخفي الغصّة.
الكنبة ليست مجرّد ديكور، بل تجسيد لجسد الوطن المتعب. الدخان ليس مؤثرًا بصريًا، بل تجسيد للضياع العام. البيانو ليس مرافقة موسيقية، بل حنجرة لبنان الذي لم يعد يجد من يسمعه.
ووسط كل هذا، يستعيد جو أصواتًا من مسرحياته السابقة، لا كنوستالجيا، بل كذاكرة مستمرّة. كأنه يقول لنا: “لم أنتهِ… ولا أنتم.” يزرع فينا الذكرى ويوقظ الأسئلة، يجعلنا نضحك على أنفسنا لأننا نسينا، ونبكي لأننا تذكّرنا فجأة.
وفي لحظة خشوع صادقة، يُهدي المسرحية إلى الكبار: يذكر رفعت طربيه، لا كغائب، بل كنبض مستمرّ في قلب المسرح اللبناني. ويُعرّج على “هيداك المرض” — السرطان — بجرأة صامتة. لا يسميه، كأن تسميته تطبيع مع الألم. يذكر من رحلوا، من قاوموا، من حملوا المرض على الخشبة ولم يسقطوا. لأنّ المسرح، بالنسبة لجو، هو الحياة، وهو المقاومة، وهو آخر ما تبقّى من كرامتنا.
وفي النهاية، يقول بصوتٍ يملأ المكان: إنتوا القصة كلّها.
لكن الحقيقة هي أننا، حين نخرج من المسرح، لا نُصدّقه.
بل نهمس لأنفسنا — وللوطن — وللمسرح الذي ما زال يقاوم
لا يا جو، أنت القصة كلّها… وأنت ذاكرتنا حين ننسى، وصوتنا حين نصمت، وضحكتنا حين نبكي.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment