
ميشال حوراني… وجه الصدق في مرايا التمثيل
هو الممثل… الأستاذ… الجنتلمان. رجلٌ لا يتكئ على الوسامة، بل على الوقار. لا يقايض الموهبة بالبهرجة، بل يصونها بتهذيب الأداء وصدق النبرة. لا يُلقي التمثيل كما يُلقى الحظ في حجر المتفرّج، بل يزرعه مثل بذورٍ في أرض النفس، ويسقيه من ماء التجربة والوجدان.
ميشال حوراني ليس مجرّد ممثل. هو أستاذٌ على الخشبة، وفي قاعة الدرس، وفي الموقف النبيل. من أولئك الذين إن نطقوا، أنصتت الكاميرا قبل المايكروفون؛ وإن حضروا، وقف النص احترامًا أمام حضورٍ لا يُؤدى بل يُعاش.
هو الذي ينزل من علياء الدور إلى واقعه، فيجعل كل شخصية تعيش بيننا. لا يقف خلفها كظل، بل يعبرها، يتشرّبها، ويُخرجها إلى الناس ككائنٍ حيّ لا كاختراع درامي. تمثيله ليس عرضًا، بل كشف. ليس اجتهادًا فقط، بل اجتهادٌ مع انتماء.
يقدّم الدور كأنّه إضافة، لا تكرارًا. يذهب إلى الشخصية كمن يذهب إلى حكاية شخصٍ يعرفه: يحمله على كتفيه، يسمع صمته، يفتّش في قهره، ويعذّبه حتى يُخلّصه من الورق. لا يغوي الجمهور باستعراضٍ شكلي، بل يزرع فيهم التعلّق بشخصياته لأنها تنبض مثلهم، وتتعب مثلهم، وتحبّ، وتُجرَح، وتتردّد، ثم تُولد من جديد.
في أدائه، لا تجد نغمةً خارج الإيقاع، ولا لحظةً بلا معنى. الصمت عنده لغة، والسكون فعلٌ، والنظرة صفحةٌ تُقرأ أكثر مما تُشاهد. يشتغل على التفاصيل الصغيرة كما يشتغل النحّات على ملامح تمثاله: عينه، يده، وقفته، مشيته، نبرة صوته، كلها أدواتٌ تنتمي إلى مختبرٍ داخليّ لا يعرف الكسل ولا القوالب الجاهزة.
ورغم احترافه وقدرته على تقمّص كل دورٍ وكأنّه خُلق له، يبقى ميشال حوراني الأقرب إلى الناس، لا بنجوميته، بل بتواضعه. يحيي الجمهور كأنّه يعرفهم، ويبادلهم الاحترام كأنّه مدين لهم بحضوره. لم يغترب عنهم ولم يتعالَ، بل جعل من صورته مشتركًا إنسانيًا، ومن كلمته تحيةً لا تنكسر.
ومن النادر أن يجتمع في فنانٍ واحد هذه الخلطة النادرة من التأني، والعمق، والأناقة، والتعليم. نعم، التعليم… فهو لا يقدّم التمثيل كمهنة، بل كمنهجٍ تربوي. يُلقّن طلابه، كما يُلقي أداءه، لا كأوامر بل كدعوة للتفكير، للبحث، ولإعادة اكتشاف الذات داخل الدور.
في زمنٍ استعراضي يفيض بالصور السطحية، يظلّ حوراني ثابتًا عند ضفاف الحضور النوعي. يرفض التسرّع، ويُحسن اختيار المعركة. لا يخشى الأدوار المركّبة، ولا يتراجع أمام ما يُحرّك أسئلة المشاهد بدل أن يقدّم له إجابات جاهزة. في اختياراته، يكمن رهانه على الفن لا على السوق، على الجودة لا على اللهاث خلف البريق.
وإن سألته عن الفن، أجابك بإيمان: “كل دور هو إضافة… كل تجربة درس… وكل شخصية بابٌ إلى إنسانٍ آخر نكتشفه داخل أنفسنا”. هكذا يختصر فلسفته، وهكذا يختصر مسيرته: رجلٌ يرى في التمثيل رسالة لا وظيفة، في الالتزام أخلاقًا لا واجبًا، وفي الفن خلاصًا من العادي نحو الإنساني.
هو الأستاذ الذي يُعلّم من دون منبر، والفنان الذي يُقنع من دون ادّعاء، والإنسان الذي يربح القلوب من دون أن يطلبها. ميشال حوراني، بوقاره، بصوته الهادئ، بحضوره المتّزن، وبفنه، يترك في كل دورٍ أثرًا، وفي كل شخصيةٍ مرآةً، وفي كل مشهدٍ سؤالًا يتردّد في دواخلنا: “من نحن، وكيف نكون، لو كنا مكانه؟”.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment