
عابد فهد… المعنى العميق للتمثيل
في البدء لم يكن التمثيل، بل كان القلق. ذاك الشعور الخام الذي لا يُروّض ولا يُخضع، بل يُصاغ كحرفٍ في فم الريح، كشهقة تُولد قبل الكلام. هناك، في الهامش بين الحقيقة والخيال، وُلد عابد فهد… لا ممثلًا، بل حالةً وجودية تمشي فوق الأسطر، وتكسر الجملة لتُعيد صياغة الإنسان.
هو لا يدخل الدور… بل يتخلّى عن ذاته ويمشي حافيًا في جسدٍ آخر. لا يتقمّص الشخصية بقدر ما يُحييها، لا يحاكيها بقدر ما يُصغي لها حتى تتكلّم عبره. صوته ليس وسيلة، بل وسيلة الصوت إليه. تعبيره لا يأتي من عضلة وجه، بل من زلزال داخلي لا يُرى.
كلّ مشهد يمرّ به، لا ينجو منه… يترك فيه شيئًا منه ويأخذ شيئًا منها. كأنّه يُنزف من الداخل ليُضيء الخارج. لا يمثل الكراهية، بل يتجرّعها؛ لا ينطق الحب، بل ينبضه. تشعر به يمشي فوق الجمر، لا ليؤلم، بل ليُبرهن أن الألم ليس أداة، بل طريق.
في حضوره، لا تتذكّر أنك تشاهد عملًا، بل تعيش خديعة جميلة: أن ما أمامك حقيقي. تنسى الكاميرا، وتنسى المخرج، وتنسى النص، لتجد نفسك وجهًا لوجه أمام إنسان لا تعرفه، لكنه يُشبهك. وهنا تكمن المعجزة: في تحويل الشاشة إلى مرآة، والمشهد إلى تجربة نفسية تُشبه الاعتراف.
هو الممثل الذي لا يكتفي بإقناعك، بل يجبرك على الإصغاء بصمت. هناك حزنٌ في ملامحه لا يُفسَّر، وغضبٌ نقيّ لا يُصرّح به. مزيجٌ من الرزانة والانفجار، من اللين والشراسة، من السكينة والعاصفة. يجرّك إلى منطقته لا بقوة النجومية، بل بسلطة العمق.
في كل دورٍ له، يخفي “عابد” ليُخرج الآخر… الآخر الهشّ، الجارح، الغامض، النقيّ، المتناقض، الذي لا يُصنّف. فتراه لحظةً هو القاتل، ولحظةً الضحية، لحظةً الساخر، ولحظةً الذي في عينيه كل خيبات الأرض.
ولأنه لا يُمثّل، بل “يكون”، فإن كلّ حركة منه ليست تقنية بل لحظة صدق. كل تنهيدة تحمل تاريخًا لا يُكتب، وكل صمت يضجّ بألف صرخة مكتومة. حتى حين لا يتكلم، فإن جسده يتكلّم، صوته الداخلي يملأ الفراغ، وملامحه تُصبح نصًا موازيًا للنص.
هو من الممثلين الذين لا يسألون عن عدد المشاهد، بل عن عدد الأرواح التي عبروا بها. لا يهتم بحجم الدور، بل بثقله، لا بحضوره، بل بأثره. لأنّه ببساطة لا يمثل ليُرى، بل ليُحسّ.
ولأنه نادر، بات حضوره عملةً نادرة. حضور لا يملأ الشاشة فقط، بل يملأ الذاكرة. لا يزاحم في الحوارات، بل يهمس في وجدانك دون استئذان. ومن شدة حضوره، تشعر أحيانًا أنّه الوحيد الذي ما زال يصدّق أن الفنّ يُمكن أن يغيّر، أن يُعالج، أن يُطهّر.
عابد فهد… ليس اسمًا يُدرج في تترات البداية، بل هو علامة استفهام في قلب كل دور، وجواب متأخر عن كل سؤال لم يُطرح بعد. هو ليس فنانًا يؤدي، بل شاهدًا يُخبرك بما لم تتجرّأ أن تراه في نفسك.
فأيّ ممثلٍ هذا، الذي كلما نطق صدّقناه، وكلما سكت سمعناه؟
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment