Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

عدنان أبو الشامات… الممثل الذي لا يعتذر عن الصدق – شربل الغاوي

عدنان أبو الشامات

عدنان أبو الشامات… الممثل الذي لا يعتذر عن الصدق

ثمة وجوه حين تراها على الشاشة، لا تحتاج إلى مقدمات ولا خلفيات. تدخل إليك كما النسيم، بهدوء المراقب وحكمة المتأمل. وعدنان أبو الشامات، واحد من هؤلاء الذين لا يعلو صوته كي يُسمع، بل يكفيه الحضور ليُقال. هو الممثل الذي لا يقتحم المشهد، بل يسكنه. يُجيد تقمّص الشخصية حتى تخاله هو، وتخاله أنت.

في ملامحه نُبل، وفي وقاره ما يشبه الكرامة حين تتجسّد. رجل لا يمثل، بل يروي. لا يُلقي جُملاً، بل يستنطق الحياة كما هي، بخيباتها الصغيرة، وانتصاراتها المؤجلة. حين يتحدث، تشعر وكأنه يسرد فصلاً من يومك، وكأن السيناريو كُتب من رحم الواقع الذي نحياه.

دخل الفن صغيرًا، لكنه لم يغادره قط. اختبر الضوء في زمن مبكر، وعرف أن التمثيل ليس مجدًا عابرًا، بل اختبار طويل للحقيقة. لم يكن طريقه مفروشًا بالإعجاب والتصفيق، بل بالصمت الثقيل حين يصعب الوصول، وبالخذلان حين يصبح الصدق عبئًا. ومع ذلك، بقي وفيًّا لما اختاره قلبه، صامدًا أمام الخسارات، لا يساوم، ولا يبدّل جلده لينجو.

يُتقن عدنان أبو الشامات فن التحوّل. بين الشخصيات، لا يكرّر نفسه. تارة يكون الهامس، وتارة أخرى الجارح، لكنه لا يسقط أبدًا في فخّ المبالغة. هو من أولئك الذين يجيدون التمثيل وهم لا يمثلون. تميّزه يكمن في صدقه، في تلك العفوية التي تنساب في نبرة صوته، في نظرته التي تتكلّم قبل أن تنطق، وفي وقوفه الذي يبدو مدروسًا، وإن بدا عفويًا.

وفي إحدى الشخصيات، بلغ من الإتقان حدًّا يجعلك تكرهه. لا لأن الأداء رديء، بل لأنّ الشخصية التي جسّدها بلغت من القسوة ما يجعلها تُرعبك. أدّاه بلا رحمة، بلا هوادة، حتى شعرت أنها ذاته. نزَع عن شخصيّته مسحته الإنسانيّة، وارتدى وجهًا من حجر. هناك، يُصبح التمثيل امتحانًا أخلاقيًّا للمُشاهد، واعترافًا غير مباشر بقدرة الفنان على التفلّت من ذاته دون أن يفقد السيطرة عليها.

وإلى جانب حضوره كممثل، يمتلك عدنان رؤية ناقدة لما يحيط به. لا يُجامل الوسط الفني، بل يراقبه بعين من خبر الحياة، لا بعين الشهرة. يكتب، يُعلّق، ويواجه، دون أن يتخلى عن احترامه لنفسه أولًا. يرى في المنصات الافتراضية مساحة للقول، ويستخدمها لا ليستعرض، بل لينبّه، ويستفزّ، ويطرح الأسئلة. يكتب كما يمثل: صادقًا.

وفي مجتمعٍ ما زال يُفضّل التجميل على الحقيقة، يُصرّ هذا الفنان على قولها كما هي. لا يخشى التناقض، بل يحتفي به. ينتقد حين يرى الانحدار، ويسخر حين يكون السخرية أنقى ردّ على العبث. لا يهوى الصراخ، بل يعتمد على الحضور الهادئ الذي يُربك خصومه أكثر مما يثير إعجاب جمهوره. فهو لا يطلب الإعجاب، بل يحترمه عندما يُعطى.

يؤمن أنّ الفن لا ينفصل عن الكرامة، وأنّ التمثيل لا يكون في النصوص فقط، بل في السلوك اليومي. أن يكون الإنسان ممثلًا لا يعني أن يعيش على خشبة فقط، بل أن يُمارس مسؤوليته الجمالية والإنسانية حيثما وجد. وفي هذا السياق، لم يتوانَ عن نقد الزيف، لا في الأعمال ولا في الناس. تحدث عن الموت، وعن الغياب، وعن الظلم، لا ليجمع التصفيق، بل ليعيد ترتيب الذاكرة.

عدنان أبو الشامات… ليس مجرد وجه تلفزيوني مألوف، بل أثر نفسي يبقى بعد أن تطفأ الشاشة. مزيج من الأناقة والفكر، من البساطة والعمق، من الواقعية والحلم. لا ينتمي إلى جيل أو فئة، بل إلى أولئك الذين يشبهون وجدان هذا الجمهور، ويصنعون من الشاشة اعترافًا صامتًا، ومن كل دور… سيرة تمثّل الكثيرين.

هو أكثر من ممثل. هو فكرة عن النبل حين يدخل الفن، وعن الرصانة حين تُغريها الشهرة، وعن الصدق حين يختبره المشهد.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment