Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

عاصم حواط… الممثل الذي لا تلتقطه الكاميرا بل يلتقطها – شربل الغاوي

عاصم حواط

عاصم حواط… الممثل الذي لا تلتقطه الكاميرا بل يلتقطها

ثمّة ممثلون يؤدّون النصّ… وآخرون يخلّقونه من أنفسهم. وثمّة وجوه تمرّ مرور الذاكرة… ووجوه تنقش حضورها في عمق الإحساس. أمّا هو، فشيءٌ آخر تمامًا… لا يمكن اختزاله بموهبة، ولا يليق به توصيفٌ عابر. هو ممثل لا تلتقطه العين فقط، بل تُصغي له الحواس، كأنّه يخرج من بين الحروف ليصبح نَفَسًا حيًّا، وجسدًا للمعنى.

عاصم حواط ليس مجرّد اسم يمرّ على شارة، بل هو تلك المساحة الفارغة في العمل التي تكتمل بمجرد دخوله، هو التوازن بين التعبير والانضباط، بين التلقائيّة والوعي. يقرأ الشخصية لا كما تُكتب، بل كما تُحسّ. لا يتعامل مع الدور كمهمة، بل ككائنٍ مستقلّ، له نَفَسه، وجروحه، وإيقاعه الخاص.

في زمنٍ تسرّبت فيه العفوية من شاشاتنا، احتفظ لنفسه بجرعة أصيلة من التلقائية. لا يصرخ حين يجب أن يهمس، ولا يبالغ حين يكفيه النظر. حتّى الكلمة عنده لا تمرّ عبثًا، بل تُقال بمنطق النبرة، وقانون الشعور. هو ممثل يسمع النصّ قبل أن ينطقه، ويشعر بالجملة قبل أن يُعلنها، ويُقيم علاقة عضوية بين روحه وبين الشخصية التي يتقمّصها، كأنه يُعيد ولادتها من جديد.

ليس فقط متقنًا، بل نظيفًا في تعامله مع الفن. لا يهادن، لا يركض خلف البطولة، ولا يساوم على ذاته. يدرك أنّ للممثل الحقيقي وزنًا لا يُقاس بعدد المشاهد، بل بثقل اللحظة. هو ابن المسرح الداخليّ، ابن الصدق، حيث لا حاجة للزينة إذا كان الشعور كافيًا ليملأ الكادر.

تقليده ليس محاكاة صوتٍ أو هيئة، بل هو تشريح للجوهر. يقلّد ليُفسّر، ليكشف، لا ليسلي. مقلّدٌ بالفطرة، ممثلٌ بالعقل، موسيقيّ بالإحساس. يُقنعك أنّ الصوت ليس مجرد طبقة، بل روح تتلبّس ملامح الآخر، وأنّ الفنّ ليس مهارةً يتقنها، بل هوية يعيشها في العمق.

هو من أولئك الذين لا يطمحون إلى الشهرة المجانية، ولا إلى الصور الملمّعة على عتبات الإعلام. يعرف حدوده، ويعرف قيمته. لم تغره المنصّات، ولم يلوّث موهبته بالتكرار أو الظهور الأجوف. وحين احتاج أن يغيب، غاب باختيار… لكنه لم يغب أبدًا عن ذاكرة من عرفوا الفنّ عن حق.

في الحديث عنه، لا تنفع المقارنات، لأنه خارج القوالب. وفي نقده، يصعب التصويب، لأنه من القلائل الذين ينقدون أنفسهم قبل أن ينقدهم أحد. اختياراته ليست دائمًا سهلة، لكنّها صادقة. وحتى حين يخطئ، يخطئ باحترام، ولا يعتذر إلا لنفسه، لأنّه يعرف كم هو مكلّف أن تكون صادقًا في زمنٍ بلا أذنٍ ولا ضمير.

الصوت فيه ليس فقط آلة للتقليد، بل وسيلة للبوح. عيناه ليستا وسيلةً للتعبير، بل ساحةً يُقاتل فيها من أجل الصدق. حضوره ليس تمثيلًا، بل تجسيدٌ لما يُشبهنا، نحن الذين لم نجد من يُعبّر عن وجعنا ببساطةٍ وعمقٍ في آن.

إنه الممثل الذي، إن صمت، تحدّثت ملامحه. وإن تكلّم، استقامت الجملة على وتر الشعور. هو الحضور الهادئ… الذي لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت نفسه. هو الفنّ حين يتحرّر من الزيف، ويعود إلى صورته الأولى: إنسانٌ يُمثّل إنسانًا، لا ليقلّده… بل ليُفهمه.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment