Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

كميل سلامة… الممثل الذي لم يخدعنا يومًا بتمثيله – شربل الغاوي

كميل سلامة

كميل سلامة… الممثل الذي لم يخدعنا يومًا بتمثيله

في الزوايا المنسيّة من الخشبة، حيث يتعرّق الضوء خجلاً من الصدق، ويموت الزيف من أول وقفة، وُلد رجل يشبه الهامش، لكنّه كلّما اقترب من الدور، صار هو المتن. لا يرفع صوته ليُسمع، بل يهمس فتستيقظ فينا الآذان. لا يطرق الأبواب ليَدخل، بل يقف خلف الكواليس حتى تدعوه الشخصيات بنفسها، لأنها تعرف أنّه وحده من لا يخونها.

هو الممثل الذي لا يقترب من النص كمُنفِّذ، بل كقارئ يبحث عن الطعنة الأولى في الجملة، وعن الخيبة النائمة بين قوسين. لا يمثل كميل سلامة أدوارًا، بل يعيد كتابتها بهدوءٍ نادر، وكأنّه يشفق على الدور من الضياع.

في المساحات المهملة من الضوء، حيث لا يصل التصفيق، ولا تجرؤ الكاميرا على التطفّل، يولد ممثل لا يحتاج إلى جملةٍ ليفضح الألم، ولا إلى دمعةٍ ليعلن الوجع. هناك، في الهامش الذي لا يجرؤ عليه أحد، ينهض كميل سلامة، لا ليُجسّد الدور، بل ليُطهّره من الزيف.

هو الممثل الذي لا يدخل الشخصية، بل يعقد معها صلحًا، ويُراكم فوقها أعوامًا من الذاكرة، والتردّد، والتاريخ الصامت. لا يعلو صوته، بل يهبط إلى جوف المعنى، فينبش ما خفي، ويستخرج من العتمة وهجًا لا يُرى إلا حين تنطفئ بقية الأضواء.

حين حوّل المحاماة إلى محاكمة للضمير

في دورٍ يُفترض أن يكون قانونيًا، ذهب كميل أبعد من النص، فتجاوز المرافعة إلى المحاكمة، وبدل أن يُدافع عن موكّل، فتح دفاتر الأمة وشرّع عيوننا على هوّة الانتماء. لم يكن محاميًا، بل قاضٍ خلف ملامح مدنية، يُرافع باسم الوجع، لا القانون. في صوته بُطء المتأمل، وفي كلماته نصل الحقيقة، وفي عينيه، ارتباكُ العدالة حين تنكشف هشاشتها.

الأب الذي ربّى الصمت قبل أولاده

وفي شخصية الأب، لم يكن رجلًا منزليًّا يُكرّر الوصايا، بل ذاكرة تتنقّل على قدمين. لم يكن صوته فوقيًّا، بل مسكونًا بندبة. جلوسه في البيت لم يكن جلوسًا، بل خندقًا يحفره الزمن، لتُدفن فيه الخيبات. هو الأب الذي لا يُربّي، بل يراقب بصمت، ويمنح الحنان بيدٍ مرتجفة، كأنّه يعرف أنّ الكلمة الواحدة قد تُربّي طفلًا، أو تُجهز عليه.

المجرم المهذّب… الذي يخيفك بلُطفه

وفي دورٍ آخر، صعد كميل إلى قمّة التناقض. كان القاتل الذي لا يتّسخ، والمجرم الذي يقدّم لك القهوة. لا يهدّدك، بل يُطمئنك، فيقلقك أكثر. يضحك وكأنّه يغفر لك ما لم تقترفه، وينظر إليك وكأنّه يقرأ نعيك المخبّأ. هذا ليس تمثيلًا، بل دهاء أخلاقي، يجعلك تتساءل: من القاتل حقًا؟ الكلمة أم اليد؟

الوجه الحيادي… الذي يهزّك من الداخل

وفي تجلٍّ فنيٍّ أكثر غموضًا، اختبأ خلف قناع الحياد. لم يعطِك رأيًا، بل أعطاك مساحة لتتوه. صمته مربك، وجموده مشاغب. رجلٌ لا يحكم، لكنه يزعزع. في تمثيله، لا تعرف ما إذا كان عدوّك أم ضميرك. وجهه صفحة بيضاء، لكنّ بياضه مريب، ومجرّد وجوده على الشاشة، يشبه ضيفًا ثقيلًا لا يمكنك طرده، ولا تجاهله.

على خشبةٍ لا تعرف المجاملة

كميل ليس ابن الشاشة فقط، بل خريج مسارح الحقيقة. كتب وأخرج ونقّب في المعنى قبل النص. مسرحه ليس مساحةً للعرض، بل مختبرٌ للألم، ومنبرٌ للكرامة. لا يبحث عن إعجاب الجمهور، بل عن رجفة في صدورهم، تهمس لهم: “انتبِهوا، هذا وجعُكم لا يُضحَك عليه”.

في أعماله المسرحية، لم يهادن، لم يُدلّل الفكرة، ولم يلطّف القسوة. كتب كما يتكلّم المقهورون، وأخرج كما يحلم الجائعون، وأدار الممثلين كما يُقاد الجُرحى: بخفّة، برعب، بيقظة.

أستاذ الندبة الجميلة

وفي الجامعة، لم يكن أستاذًا عاديًا. لم يُلقّن الأداء، بل زرع الخوف النبيل من الأداء الركيك. كان يسأل الممثل: “ما الندبة التي تُخفيها؟ اجعلها تتكلّم.” لم يكن يُعلّم كيف يُقال النص، بل كيف يُقال الصدق. رفض أن تكون الخشبة سلعة، وأرادها معمودية؛ لا يدخلها إلا من غسل روحه من الادّعاء.

الخاتمة: لا دور بعده يكتمل بسهولة

كميل سلامة لا يُحاكي ذاكرتنا، بل يعيد تشكيلها. لا يُشبِه الممثلين في مسارهم، بل يُشبه فقط أولئك الذين يعتبرون الفن فعل نجاة، لا مجدًا. حين ينتهي مشهده، لا تشعر أنك رأيت تمثيلًا، بل كأنك خرجت من جلسة حقيقية مع الحياة.

في حضوره، تتوقّف الكاميرا عن التوجيه، وتبدأ بالحوار.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment