
جمال حمدان… صوتٌ يُمثّل ووجهٌ يُحاور الضمير
في الزمن المسرحيّ الذي يصعد من بين الركام كأنفاسٍ تحاول النجاة، ووسط الضجيج البصريّ في عالم بات يخشى الصمت، يخرج جمال حمدان من العتمة، لا كممثل فقط، بل ككائن دراميّ يملك ملامح متآلفة مع الحكاية، وصوتًا يُقيم في طبقةٍ ما بين السرد والترنيم. لا يستعير أدواته، بل يخلقها من نبرةٍ لا تشبه سواه، ومن نظرةٍ لا تكتفي بالتحديق، بل تحفر في ما وراء المشهد.
هو ذلك الفنان الذي لا يحتاج إلى صراخٍ ليُلفت الانتباه، ولا إلى انفعالات زائفة ليُثبت الحضور. حضوره من النوع الذي يُربك، لا لأنه صاخب، بل لأنه حقيقي. يمرّ على الخشبة كمن يمرّ فوق ذاكرةٍ لم تُشفى، يترك فيها من أثره ما يشبه الحنين وما يشبه الاعتراف. إنه لا يلعب دورًا، بل يتلبّسه… حتى ليبدو الدور كُتب له، لا عليه.
جمال حمدان ليس وجهًا معتادًا في زحمة المشهد، بل حالة فنية استثنائية، يصعب تصنيفها ضمن قواعد النجومية التقليدية، لأنه ينتمي إلى ما هو أعمق من الضوء… إلى جوهر التعبير ذاته. لا يقدّم نفسه نجمًا لامعًا، بل لُبّ الحكاية ومركز ثقلها، ذلك الذي يحكم الإيقاع من دون أن يصرخ، ويسيطر على المشهد من دون أن يُهيمن. فالفنّ عنده ليس لفتةً استعراضية، بل طقسًا داخليًا يمارسه بقدسيّة.
في أدائه، لغةٌ خفيّة تُخاطب اللاوعي، ولهجةٌ درامية تمتدّ من مسرح الروح إلى ميكروفون الدبلجة، حيث تنزلق الكلمات من حنجرته كما لو كانت تحيا للمرة الأولى. لا يقرأ النص، بل يستنطقه. لا يُعلّق صوته على المشهد، بل يدخله كأنّه امتدادٌ له، حتى لتبدو الشخصيات التي يؤديها كما لو أنّها تتنفّس من صوته وتكتسب أبعادها من تلويناته وحدها.
جمال حمدان هو مثال الفنان الذي لا يحتاج إلى بهرجة السيرة الذاتية ليصير عظيمًا. يكفي أن تراه مرة واحدة لتفهم الفرق بين من “يمثّل” ومن “يُجسّد”، بين من يكرّر نفسه ومن يصنع من كل شخصية عالمًا قائمًا بذاته. في حضوره، تستعيد المهنة معناها الأول: التمثيل ليس تقمّصًا وحسب، بل استحضارًا شعوريًا وأخلاقيًا للواقع… ليس انغماسًا في وهم، بل غوصٌ في حقيقةٍ أعمق من الظاهر.
هو أيضًا ذلك الصوت الذي يسكن ذاكرتنا من حيث لا ندري… ذاك الصوت الذي شكّل ملامح الطفولة، حين كنّا نتابع ولا نفهم لماذا نشعر بصدق تلك الشخصية، قبل أن نكبر وندرك أن الصوت لم يكن مجرد أداء، بل كان صدقًا نابضًا يتجاوز اللغة والمشهد والزمن.
ولعلّ أجمل ما في جمال حمدان، أنّه بقي وفيًّا لذاته. لم يساوم على نوع الفن، لم يلهث خلف مساحات أوسع على حساب الجوهر. اختار أن يكون “فنانًا” لا “نجماً”، وهذا وحده كافٍ ليجعل منه علامة فارقة في مسرح الحياة.
في كلّ جملةٍ ينطق بها، حسّ مسؤولية؛ وفي كلّ نظرة، موقف. هو ذلك الفنان الذي لا يتقن المواربة، ولا يُجيد الاصطناع. يسكن دوره كما يسكن بيته، يضبط إيقاع الانفعال كقائد أوركسترا يعرف متى يتوقّف، ومتى يترك للصمت أن يبوح بما عجزت عنه الكلمات.
هو جمال حمدان… الاسم الذي لا يحتاج إلى ألقاب، لأنّ الموهبة حين تبلغ هذا الحدّ من النُضج، تغدو في ذاتها هوية كاملة. وحين يجتمع الجمال بالاتزان، والموهبة بالوعي، والصوت بالحضور، يصبح الفنان شاهدًا على زمنٍ ما زال يؤمن بأن الصدق هو أعظم أشكال الفنّ.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment