Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

جهاد سعد… ممثل يتقن الإصغاء لما لا يُقال – شربل الغاوي

جهاد سعد

جهاد سعد… ممثل يتقن الإصغاء لما لا يُقال

بعض الممثلين يحترفون الإلقاء، وآخرون يُجيدون التقمّص، لكن قِلّة فقط يعرفون كيف يُصغون إلى ما لا يُقال، فيلتقطون صمت الشخصية، ويتنفسون قلقها، ويُعيدون رسم ملامحها بصدقٍ يتجاوز النص والكاميرا. جهاد سعد من هؤلاء الذين لا يدخلون إلى الدور من باب الأداء، بل من باب الكينونة. لا يُجسّد الحالة، بل يُعيد خلقها.

حين تراه على الشاشة، لا ترى تمثيلًا، بل تعبيرًا صافياً يُشبه البوح. نظرته مشحونة بالتاريخ الداخلي، وإيماءته تقرأ الزمن الساكن في الشخصية. لا يقدّم مشاهد، بل يُقدّم حياة. لا يطلب التصفيق، بل يُشعل شيئًا في داخل المتفرّج يجعله يفكر ويتأمل. فالفنّ عنده ليس لحظة إعجاب، بل امتدادًا وجدانيًا لا يُنسى.

في حضوره، شيء من التصوّف. لا يعلو، ولا يتفاخر، ولا يستعرض. بل ينسج تفاصيله بخيوط من صدقٍ داخليّ، ومن حرفةٍ صامتة تستنطق الجُرح وتُقنِع بالعاديّ حين يُقدَّم بعمق. اختار أن يكون وفيًّا لنفسه أولًا، ولم يُساوم على ذلك يومًا. لم يزاحم، لم يركض، لم يتملّق. بل مشى في الفن كما يمشي الناسك إلى معبده… بثبات.

أداؤه لا يقوم على الزينة، بل على التفكيك. يفهم الشخصية من جذرها، ويتعامل مع انفعالاتها كأنها نبض حيّ. يضبط إيقاع الصوت، وحدّة النظرة، وسكون اليد، وكأنّه قائد أوركسترا داخل جسد واحد. يُخضع نفسه للتجربة، لا ليُدهشك، بل ليُصدّقها هو أولًا.

ولأنه لا يفصل الفن عن الموقف، بقي صوته عاليًا حيث يجب، وصامتًا حيث يجب. لم يشارك في كل العروض، بل انتقى ما يضيف، وابتعد عمّا يُفرغ المهنة من معناها. لا يؤمن أن الكمّ هو المجد، بل أن الموقف هو القيمة. وإن غاب، فلكي لا يُشارك في الزيف، لا لأنه اختفى.

أما في اختياراته الخاصة، فكان صادقًا حدّ الإرباك. اختار أن يعيش كما يفكّر، لا كما يُتوقَّع منه. لم يُهادن في قناعاته، ولم يُقنّع روحه بمبررات المجتمع. آمن أن الصدق لا يُقاس بالمقاييس الاجتماعية، بل بمدى تطابقه مع الذات. ولهذا، لم يعتذر عن نفسه، ولم يطلب إذنًا ليكون ما هو عليه.

وأولئك الذين كتبوا عنه، لم يكتبوا عن شهرة، بل عن تجربة. تحدّثوا عن ممثل يتعامل مع الكلمة كما يتعامل النحّات مع الحجر، لا يكتفي بشكلها، بل يبحث عن المعنى المدفون فيها. وصفوه بأنه لا يُمثّل، بل يُعرّي المشهد من تصنّعه، ويعيد للكاميرا وظيفتها الأولى: أن تلتقط الحقيقة.

هو ذاك الذي لا ينتظر لحظة التألّق، لأنه لا يعيش لأجل الضوء، بل لأجل الصدق. لا يدخل إلى المشهد كزائر، بل كصاحب بيت يعرف طريقه إلى كل ركنٍ فيه. ومن يقف أمامه، لا ينجو من الصدق الذي يفرضه حضوره، حتى ولو لم يتكلّم.

جهاد سعد… ليس اسماً يمرّ، بل حالة تستوقف. هو الممثل الذي لا يخاف من أن يَقلّ، إذا كان ذلك ثمن أن يبقى أصيلاً. هو ذاك الذي إذا غاب، سُئِل عنه، وإذا حضر، سكنت الضوضاء. لأنه لا يعلو على النص، بل يهبط إليه ليرفعه.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment