
روزي الخولي… همسٌ يملأ الشاشة
ثمّة نساء يَدخلن إلى الفنّ من أبوابه الكبرى، بثيابٍ من شهرة، وخيوطٍ من دعم، ومرايا من تصفيق. وثمّة أخريات، يزحفن من بين الشقوق، يأتين حفاة، يحملن في عيونهن ندى التجربة، وعلى أكتافهن وجع المسافة. روزي الخولي تنتمي إلى الفئة الثانية… تلك التي لا يلمع اسمها في العناوين، لكنها تلمع في ذاكرة المُشاهد حين يُطفئ الشاشة، ويبقى وجهها معلقًا في داخله، كما تُعلّق الأشياء الصادقة في القلب.
لم تكن رحلتها على سجادة مرصوفة بالنجاح السهل، بل على حوافّ من الانتباه الصعب. كانت تعرف منذ البدايات، أنّ الطريق ليس ممهّدًا لمن يشبهونها، وأنّ الجمال المصنّع ليس شرطًا للعبور، وأنّ على الموهبة أن تكون صافية حدّ الوجع كي تُرى. فاختارت أن تمشي كما هي، لا تزيّف ظلّها، ولا تُبالغ في بصمتها.
في الأداء، لا تتوسّل لفت النظر. بل تبني حضورها من الداخل، من تلك التفاصيل التي لا تُكتَب في النص، بل تُخلَق في الكواليس الصامتة للروح. حين تدخل إلى مشهد، لا تُهاجم، بل تُقيم فيه. تستحضر الشخصية كما تُستحضر صلاة، تُغمض عينها وتتنفّس العمق، ثم تفتح المشهد على صوتٍ داخلي، على نظرةٍ تختزل سطورًا، وعلى لحظة لا تشبه التمثيل بل تشبه الحياة.
لغة جسدها ليست مكرورة. في حركة يدها إشارة، في ميل الرأس معنى، وفي تلك النظرة المتأخرة سؤال لا جواب له. تتقن إيقاع الجملة كما يتقن الموسيقي صمت النوتة. تقف في منتصف الجملة، لا لتُكملها، بل لتتركها تتسرّب إلى المشاهد دون أن يشعر. تُتقن فن الهمس حين يصرخ الجميع، وتُجيد الصمت حين تفيض الضجة من حولها.
حين تُجسّد القسوة، لا تجعل منها كاريكاتورًا، بل وجهًا يعرف أسبابه. وحين تؤدي العتب، لا ترفعه صوتًا، بل تُنزله دمعة. لا تبحث عن الرضى، بل عن الصدق. لا تُطوّع شخصياتها لتناسب صورتها، بل تُعيد تشكيل صورتها لتناسب الشخصية. ولهذا، لا تتكرّر. قد تلعب الأدوار المركّبة، المترددة، المتسلطة، المستضعفة، القاسية أو الحنونة… لكنها لا تُشبه نفسها في أيٍّ منها، ولا تُشبه غيرها أبدًا.
ما يُميّزها هو هذه القدرة العجيبة على تحويل اللحظة العابرة إلى لحظة لا تُنسى. قد تمرّ بجملة واحدة، لكنها تتركها ثقيلة في الروح. قد تظهر لدقائق، لكنها تسرق المشهد من بطله. هي ليست بنت البطولة التقليدية، بل سيدة التأثير العميق. حين تُطل، لا تحتاج إلى مقدّمة، وحين تغيب، تترك مساحةً فارغة لا تُملأ.
هي من أولئك القلائل الذين لا يقيسون النجاح بعدد المشاهد، بل بمدى تسلّلهم إلى المشاهد. لا تسكن في الصورة، بل تسكن في الإحساس. لا تُضيء الإطار، بل تُضيء المعنى.
روزي الخولي ممثلة تعرف من أين تأتي بالشخصية، وكيف تُفكّكها، وكيف تحيكها من جديد دون أن يرى المشاهد الإبرة. هي ممثلة لا تعتمد على النص بل تتواطأ معه. لا تقول الجملة كما كُتبت، بل كما انكسرَت فيها. ولهذا، لا يتذكّرها الناس بسبب الأحداث، بل بسبب الطريقة التي جعلت بها الحدث حيًّا.
في زمنٍ تُقاس فيه الموهبة بعدد المتابعين، ظلت هي تشتغل على عدد المشاعر. في زمنٍ يُعاد فيه تدوير الأدوار والوجوه، حافظت على نكهة مختلفة، وعلى أداء يقطر ببطء، يتسرّب إلى العين دون أن يلمع، ويستقرّ في القلب دون أن يصرخ.
هي امرأة لا تمثّل، بل تؤرّخ للحقيقة. لا تُعلّق على الأحداث، بل تُعيد ترتيب الوجدان حولها. فحين تخرج من المشهد، لا تُغادره. تبقى عالقة في نَفَس الكاميرا، وفي أعصاب المشاهد. لا لأنها صاخبة، بل لأنها عميقة. لا لأنها أقوى، بل لأنها أصدق.
روزي الخولي، فنانة لا تتحدث كثيرًا، لكنها تقول كل شيء من دون أن تشرح. ممثلة لا تحتاج إلى دور كبير، بل إلى لحظة تُبدع فيها أن تكون كاملة. ولهذا، لا تُنسى.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment