
رائد مشرف… مرآة الروح حين تتجسّد على المسرح
بعض الممثلين يؤدّون… والبعض الآخر يُقيم في الشخصية كما يُقيم القلب في صدر عاشق. ورائد مشرف، ليس ممثلًا فحسب، بل كائنٌ مسرحي يعيش كلّ لحظة وكأنها النهاية، ويبدأ كل دور كما لو أنه الحياة الأولى بعد الطوفان.
هو ليس صاحب أداء، بل صاحب حضور. ذاك الحضور الذي لا يُشترى ولا يُدرَّب عليه، بل يُستخرج من العصب، من الذكرى، من جُرحٍ قديم في ذاكرة الجسد. حين يقف على المسرح، تتراجع الإضاءة وتصبح الظلال خلفه امتدادًا لذاته، لا خلفية مشهد. تقف الكلمات احترامًا لنبرة صوته، ويتحوّل النصّ إلى كائنٍ حيّ يتنفّس معه، يهمس، ويشهق، وينهار.
في فنّه لا يختبئ وراء الشخصية، بل يُحاكمها بصدق، يفتّتها بعينيه، ثم يُعيد تركيبها على خشبة مشحونة بالأسئلة، كأنّه لا يُريد أن يُقنعك بما يفعل، بل أن يجعلك تشكّ بكل ما كنت تظنه عن التمثيل. إنه الممثل الذي لا يُمارس دوره، بل يُمارس الحياة من خلاله.
لا يُؤمن بالضربات المفتعلة، ولا بالإيماءات المجوّفة، بل يبني الأداء كما يُبنى الهيكل: أساس داخلي، ثم امتداد حركي، ثم شغف يسري في التفاصيل. يتكلّم بعينيه قبل أن ينطق، ويعبّر بوقفته قبل أن يحرّك شفتيه. الجسد عنده ليس أداة، بل لغة قائمة بذاتها، فيها الأفعال والمشاعر والنوايا والخوف والتمرّد… وحتى العار.
أما صوته، فذاك حديثٌ آخر. ليس مجرّد صوتٍ يؤدي دورًا، بل آلة وجدانية تُعزف على حبال الروح. كل نبرة تحمل وزنًا، كل همسة تقول شيئًا، وكل سكوتٍ بين العبارات كأنه نَفَس مأزوم من داخل الشخصية. في الأداء الصوتي، لا يكتفي بالنقل، بل يخلق المعنى من العدم، يضع الكلمة في المكان الذي لا تتوقّعه، فتصل أقسى مما تخيّلتها.
وحين ينتقل إلى الإخراج، لا يتخلّى عن تمثيله، بل يُضاعف حضوره. يكتب المشهد بعينه قبل قلمه، ويقرأ النصّ كما تُقرأ القصيدة: بنبضٍ لا يُرى، وبأسئلة لا تُقال. لا يبحث عن بهرج الصورة، بل عن صدق اللحظة. إخراجه كأنه عزف منفرد على وتر الصمت، وكأنّه يسير على المسرح حافيًا، ليشعر بكل تفصيل، بكل خشبة، بكل رعشة تصدر من ممثلٍ يحاول أن يقول الحقيقة ولو مرّة.
المسرح بالنسبة له ليس خشبة، بل مصير. ليس مكانًا للعروض، بل مساحة للانكشاف. هناك، في البقعة التي يُضاء فيها جسده، تُطفأ الأقنعة كلّها. وهناك، في اللحظة التي يبدأ فيها المشهد، ينتهي كلّ ما هو تمثيل، وتبدأ الحقيقة.
لا يُجامل الجمهور، ولا يُغازل الرأي العام، ولا يتوسّل النجومية. بل يقف، ببساطة الموهبة النقيّة، وعمق التجربة التي لا تحتاج إلى صخب، ويقول: “أنا هنا، لأنني لا أستطيع أن أكون في أيّ مكان آخر”. إنه ليس صورة لنجاحٍ ظاهري، بل ترجمة صامتة لعزلة الفنان الحقيقية… تلك العزلة التي تصنع النور.
رائد مشرف لا يمرّ، بل يترك أثرًا. لا يُمثّل، بل يُقيم في الشخصية كما يُقيم الحنين فينا. لا يصنع المشهد، بل يسكنه حتى يُصبح هو المشهد. هو ذاك الفنان الذي كلما صعد خشبة، سقط الوهم، وارتفعت الحقيقة واقفةً على قدمين.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment