Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

روعة ياسين: الأداء بالصمت، والتمثيل بالفِكر – شربل الغاوي

روعة ياسين

روعة ياسين: الأداء بالصمت، والتمثيل بالفِكر

في زمنٍ يُباع فيه الفن على قارعة “التريند”، وتُختزل الموهبة في فتنة العين، تقف روعة ياسين كأنها امرأة من عصرٍ آخر، تحمل في ملامحها هدوء الصحراء، وفي اختياراتها دهشة المطر، وفي أدائها خيطًا رفيعًا من الشعر… لا يلتقطه إلا من تدرّب على الإصغاء للفن لا لمجرد الظهور.

هي ليست ممثلةً وحسب، بل حالة فنية ترفض أن تكون صورةً مُعَلّقة على جدار العبور السريع. اختارت، منذ اللحظة الأولى، أن تمشي في الحقل الأعمق، لا على السطح، أن تغرس موهبتها في أرض المعنى لا في تراب الشهرة الزائل. رفضت أن تُؤطّر في جمالية شكلها، وأن تُستهلك في أدوار الواجهة… فالجمال بالنسبة لها نعمة لا تبرّر الابتذال، و”الحضور” ليس مجرد كاميرا تلتقطه، بل روح تُشعّ من تحت الجلد.

لكنّ جوهر هذه الممثلة لا يُختصر بموقفها من الساحة، بل يتجلى في أدائها الذي يشبه الكتابة الصامتة بالنظرات.

تمثّل روعة وكأنها لا تمثّل… كأنها تعيش الشخصية في جلدها، وتتكلم بلسانها، وتتنفّس بنَفَسها.

حين تصمت، تصرخ العيون.

وحين تتكلّم، يتباطأ الزمن ليستمع.

لا تحتاج إلى ضجيج لتُقنعك، ولا إلى مبالغات لتلفتك… أداؤها مبنيّ على الاقتصاد المدروس في التعبير، وعلى الحساسية العالية تجاه اللغة الجسدية والانفعالات الدقيقة. تعرف متى ترفع حاجبًا ومتى تُسدل جفنًا… وكأنّها ترسم الشخصية بإبرة لا بفرشاة.

في الشخصيات المعقّدة، تُجيد روعة التنقّل بين الطيف النفسي بلا ضجيج.

لا تكسر الإيقاع، بل تمطّطه كما تشاء، تُكثّفه حين يجب، وتُفرّغه حين يفيض.

حين تؤدّي دور امرأة مكسورة، لا تبكي بصوتٍ عالٍ… بل تُشعرك أنها تبكي في داخلك.

وحين تجسّد امرأة قوية، لا تصرخ ولا تضرب الطاولة، بل تكسر هيبتك بصمتها.

التمثيل عند روعة ليس استعراضًا، بل إنصاتًا.

هي تسمع الشخصية أولًا، قبل أن تقولها.

تراقبها، تفتّتها، تحبّها، ثم تسكنها.

لا تصطنع، بل تتماهى. لا تقترب من الشخصية بحذر، بل تندمج معها اندماج من يعرف معنى الوجع، ومعنى التناقض، ومعنى الإنسان. وهذا ما يجعل كل أداء لها محكًّا فنيًا وأخلاقيًا في آن.

وحين تكون الشخصية صدامية أو جريئة، تختار روعة أن تؤديها من الداخل… فتجعلك تتفهّمها حتى إن لم تُحبّها.

هي لا تحكم على ما تمثّله، بل تحتضنه… تجرّد نفسها من أحكامها الأخلاقية لتُفسح المجال أمام الحقيقة، وهذا هو جوهر الممثل الحقيقي.

في أداء المشاهد الطويلة، تُحافظ على التوازن، لا تسقط في فخ التكرار، ولا تستعجل التطوّر النفسي.

وفي المشاهد القصيرة، تضع كامل طاقتها في لحظة خاطفة تترك أثرًا لا يُمحى.

مشاهدها لا تُشاهد مرّة واحدة.

ففي كل نظرة، لغم.

وفي كل حركة، خلفية فكرية، وفي كل تنهيدة، حكاية كاملة.

هي ممثلة لا تخاف من الصمت…

بل تعتبره مساحة خصبة للتعبير.

تعرف أنّ بعض الانفعالات لا تُقال، وبعض الجراح لا تُصرّح، وبعض الأسرار لا تُكشف إلا من خلف العينين.

روعة ليست ابنة التسرّع، بل ابنة “التمهّل الخلّاق”. تنتقي دورين في الموسم، لكنها تحوّلهما إلى قصيدتين تمثيليتين، تتقن فيهما تفاصيل الجملة ونَفَس النظرة، تحقن كل مشهد بذائقة ووعي، وترفض أن يكون وقتها أمام الكاميرا وقتًا ضائعًا. تؤمن أن الشاشة ليست مرآةً للفراغ، بل مساحة مقدّسة تستحق أن نُقدّم عبرها ما يشبه الإنسان لا ما يسلخ عنه كرامته.

لم تتورّط في الفوضى الإلكترونية، ولا في حروب التجميل العشوائي، ولا في استعراض المظاهر. بل قالت كلمتها بهدوء: “الفنّ لا يُشترى، ولا يُباع، ولا يُقتبس من غرف الماكياج، بل يُولد من قرار شخصي بالصدق”. ولذلك، حين نراها تمثّل، نشعر أنّها تعيش الدور وكأنّه صلاة داخلية… صلاة لا تُقال، بل تُعاش.

في حضورها شيء من الطُهر، وفي أدائها شيء من الاعتراف. لا تصرخ، بل تهمس. لا تفرض نفسها، بل تسكنك. تمشي في المشهد كما تمشي قُبلةٌ على جبين جرح، لا تُشفيه تمامًا، لكنها تترك فيه معنى لا يُنسى.

روعة ياسين، اسمٌ لا يبحث عن الضوء، بل يجذب الضوء إليه… لا تُراهن على “الكمّ”، بل على عمق الضربة. لا تهرب من الأدوار المعقّدة، بل تقتحمها بوعي أن الفنّ ليس مجرّد مهنة، بل مسؤولية تجاه الذاكرة. ولأنها لا تمثّل لتُرى بل لتُبقي أثرًا في المتلقي، فإنك حين تنسى اسم العمل، تتذكّر وجهها، وحين تغيب الشخصيات، يبقى صدى الأداء.

هي ممثلة تشبه قصيدةً مغموسةً بالحياة…

قصيدة لا تصرخ لكنها تُربكك،

لا تُجمّلك، لكنها تُعيد تشكيلك.

هي ليست عابرةً في الفن…

هي الممثلة التي تحترم المهنة كما لو كانت صلاة،

وتخاطب القلوب كما لو كانت أنشودةً تتلوها الريح على مسرحٍ خالٍ،

في آخر الليل… حين لا يبقى سوى الفن، والحقيقة، والضوء.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment