Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

كارلوس عازار… التمثيل حين يشبهك – شربل الغاوي

كارلوس عازار

كارلوس عازار… التمثيل حين يشبهك

ثمة ممثلون يُصنَعون في الاستوديوهات، وآخرون يُولدون من رحم المعاناة، من حفر الموهبة في جدار الصمت، ومن الإصرار على أن لا يكون الفن تكرارًا ولا الممثل نسخة. من هؤلاء، يخرج اسم لا يحتاج إلى صخب كي يُذكر، ولا إلى إعلان كي يُكرَّس. وجه حين تراه، تشعر أن الشاشة صارت أعمق، وأن الكادر اتّسع لاحتضان صدقٍ لا يُصطنع. ليس نجمًا بمقاييس السوق، بل نجمًا بمقاييس الروح… النادرة، الشاهقة، الواضحة.

كارلوس عازار ليس عابر مشهد، بل راوي حكاية تؤدَّى لا لترف، بل لحاجة في النفس إلى الصدق.

هو ذاك الفنان الذي لا يدخل دورًا ليجسّده، بل ليتجسّد فيه. لا يبحث عن الشخصية في الأوراق، بل يستخرجها من ذاته، من خزين التجربة، من هشاشة الروح حين تتلاقى مع خيوط الحكاية. لا يُمثّل ليرضي، بل يتمثّل الحياة في أقصى تجلّياتها كي يعبُر إلى القلب دون استئذان. وهنا، يكمن الفرق بين من يردّد النص ومن يكتب وجوده فيه.

قد تراه في مشهدٍ يقتضي الغضب، فلا يصرخ… بل يضغط على الكلام بألمٍ صامت، فيجعلك تسمع الجرح لا الصوت. وقد تراه في لحظة حب، فلا يغرق في ابتذال، بل يمنح النظرة معنى، واللمحة حكاية كاملة. هو من أولئك القادرين على قول الكثير بالقليل، وعلى تمرير الصدق كغمزة بين السطور.

في تجاربه المتنوعة، حمل القسوة حين تطلّبتها العدالة، وارتدى الضعف حين فرضته إنسانيّة اللحظة. وحين لعب دور الرجل المُنهك، لم يستجدِ تعاطفًا، بل أعاد للانكسار كرامته، وجعل من الذلّ مرافعة عن صلابة البشر حين تهزمهم الحياة.

هو ممثل لا يستجدي البطولات، لأنه يدرك أن البطولة الحقيقية تكمن في أن تُقنع، لا أن تُبهر. أن تُشبه، لا أن تُقلّد. لذا، فإنّ حضوره لم يكن يومًا مشروطًا بكثافة المشاهد، بل بكثافة التعبير. كل سطرٍ يؤديه يحمل توقيعه، لا يشبه سواه، ولا يُشبهه أحد.

في أحد أدواره، جسّد شخصية رجل يهرب من ذاته، من خيانته لروحه قبل غيره، فحوّل الصمت إلى مرآة عارٍ، والابتسامة إلى قناع يقطر وجعًا. وفي مشهدٍ آخر، حين واجه الحقيقة الموجعة، لم يصرخ… بل زفر الحقيقة كمن يلفظ صخرة من صدره، فنقل المشاهد من التعاطف إلى المشاركة، من المراقبة إلى الألم.

يؤمن كارلوس عازار أن الفنّ لا يكون عظيمًا إذا لم يكن محفوفًا بالخطر. لا يقف على حافة الدور بل يغوص فيه، يخوضه حتى التلاشي، ثم يعود منه بشيء منه تغيّر. يرى أنّ التمثيل ليس استعراضًا ولا زينة، بل اختبارًا يوميًا للصدق، ومغامرة في فهم الإنسان، بما له وما عليه.

ورغم ما ناله من تقدير، لم يقع يومًا في فخّ النرجسية. لم يتعامل مع الضوء كغاية، بل كوسيلة ليضيء ما حوله من معنى. وفي كل حوار له، يظهر كأنّه لا يدافع عن نفسه، بل عن الفن الذي يعرفه ويؤمن به. يقول رأيه من دون مواربة، ينتقد بأدب، ويردّ على القسوة برقيّ، ويدعو النقاد لأن يكونوا مرايا لا مطارق.

وفي موقفه من السطحية المنتشرة، لا يُقابل الابتذال بالسخرية، بل بالمستوى. يرفض أن يُستَدرج إلى لغة لا تشبهه، ويرى في الكلمة مسؤولية، وفي الأداء أمانة. حتى حين يُخطئ، يخطئ بشرف، لأنه لا يجامل في فنه، ولا يزيّن ما لا يُزيَّن.

من يشاهده يدرك أن خلف الكواليس رجل لا يقلّ عن الشخصية التي يؤديها. فنان يعرف كيف يوازن بين الصرامة والحنان، بين الرؤية والتواضع، بين أن يقول “لا” رغم كل الإغراءات، وأن ينتظر اللحظة التي تستحقه، لا اللحظة التي تطلبه.

في عالمٍ تزداد فيه الحاجة إلى أصواتٍ تُشبه الناس، وإلى وجوهٍ لا ترتدي قناع التكلّف، يظل كارلوس عازار علامة فارقة. ليس لأنه نجم، بل لأنه إنسان لم يساوم. لأنه لم يجعل من التمثيل مهنةً يُزاوِلها، بل شرفًا يعيشه.

وحين يُكتب تاريخ الممثلين الذين لم يسلكوا الطرق السهلة، لا شكّ أنّ اسمه سيبقى هناك… محفورًا لا في الصخر، بل في الذاكرة التي تميّز بين الحضور العابر، والحضور الذي لا يزول.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment