Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

سمر هنيدي… أغانٍ بلهجة بيروت… ونبض عمّان – شربل الغاوي

سمر هنيدي

سمر هنيدي… أغانٍ بلهجة بيروت… ونبض عمّان

ثمّة نساء لا يكتبن الشعر… بل يكتبن الدمع حين يعجز الصوت عن البوح.

وثمّة كلمات لا تولد من الحبر، بل من قلبٍ مفجوعٍ بغيابٍ لا شفاء منه.

سمر هنيدي، تلك الأردنية التي لم تُقيّد الإحساس بحدود اللهجات، بل جعلت من كل نبضةٍ فيها نبرةً، ومن كل غصّة لغة.

لم تقلّد أحدًا، ولم تبحث عن هوية بديلة…

هي فقط اختارت الحرف الذي يليق بدمعها، واللحن الذي يتّسع لانهيارها، فكانت اللهجة اللبنانية جناحًا آخر لنصّها، وصوتًا يُحاكي رعشة قلبها حين يشتاق.

في “كيفك ع فراقي”، الأغنية التي أبكت فضل شاكر ومحمد شاكر قبل أن تُبكي من استمع، نسمع رجلاً يتكلم، لكننا نرى امرأة تنزف.

“كذبة وصدّقتها”…

كذبة عاشتها كأنها حقيقة، صدّقتها لأنها أرادت النجاة، أرادت أن تُقنع قلبها أن النسيان ممكن… لكنه لم يكن.

هي لا تكتب هنا عن شوقٍ عابر، بل عن عناقٍ أُلغي، ودفءٍ فُقد، وعن بيتٍ تهدّم لا بفعل الزمان، بل بقرار رجلٍ نسي أن يعود.

“بعدك على بالي… لو كنت بهاللحظة قبالي”،

عبارة واحدة، تختصر شهورًا من الانكسار، وليالٍ تئنّ تحت ثقل الغياب.

ثم تنتقل بنا إلى “كيفك؟”، بصوت ماجد المهندس، ولا نعرف ما الأقسى: السؤال، أم الصمت الذي يليه؟

“أنا يلّي كنت تموت لو ثانية في بعدي تفوت… بسّ الهيي إنت قسيت!”

هل يُمكن أن يكون هذا الحبّ ذاته؟ هل يُعقل أن من كان يتوسّل القرب، صار لا يتذكّر حتى الاسم؟

كلماتها لا تُعاتب، بل تُقيم جنازة لذكرى كانت يومًا حياة.

تستحضر الماضي لا لتبكيه، بل لتُشهده على التحوّل: كيف تحوّل العشق إلى لامبالاة، والحنان إلى برود، والقرب إلى منفى.

وفي “وحدي”، بصوت أنور نور، لا نقرأ أغنية، بل نفتح باب غرفة مظلمة، فيها امرأة تحتضن الغياب، وتُربّي الوجع.

“تعا أنا عم ناديك… قرب هون خليك”

ما أضعف هذه النداءات حين تُطلق من دون رجع، وما أشدّ قسوتها حين لا يجيبها أحد.

هنا، لا كبرياء ولا تصنّع.

هنا أنثى مجروحة، تنام كل ليلة على مخدّةٍ مبتلّة، وتحلم بعينين أغلقتا الباب ومضتا.

“يعني معقول هيك؟ كيف بهون عليك؟”

سؤال بسيط في لفظه… قاتل في معناه.

ما الذي حدث ليتحوّل من كان لا ينام إلا على صوتها، إلى غريبٍ لا يسأل؟

سمر هنيدي لا تكتب كلمتها… بل تُنزفها.

هي لا تختبئ خلف ألحانٍ جميلة ولا أصواتٍ طربية، بل تضع وجعها في يد كل فنان، ليكون صوتها حين يخونها صوتها.

ولأنها لا تُجيد الكذب، صار الشعر بين يديها حقيقيًا حدّ القسوة، ناعمًا حدّ الانكسار، مؤلمًا حدّ الصدق.

حين كتبت بلهجة لبنان، لم تكن تتقمّص اللكنة، بل اختارت اللهجة التي تستطيع أن تبكي بها كما يجب.

لبنان، حيث الحرف له نبرة، والنَفَس له ذاكرة، والغصّة لها صوت.

فكتبت كمن وُلدت على درج بيتٍ بيروتي، وشربت قهوتها على شرفةٍ تنتظر حبيبًا لم يأتِ.

سمر هنيدي ليست شاعرة عابرة…

بل امرأة كتبت عن كل النساء اللواتي لم يُنصفهن العشق،

عن كل من اشتاقت، وتمنّت، وخافت، وسألت، وانتظرت، ثم تكسّرت.

هي صوت من بكى ولم يُسمَع.

هي دمعة من لم يجد يدًا تمسحها.

وهي الوردة التي كُسرت، فاختارت أن تفوح أكثر بدل أن تذبل.

في زمنٍ صارت فيه الكلمات رخيصة،

كتبت هي وجعها غاليًا… فبكتنا جميعًا.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment