Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

زياد في ضيافة ملحم… والموسيقى تبكي وحدها – شربل الغاوي

ملحم بركات و زياد الرحباني

زياد في ضيافة ملحم… والموسيقى تبكي وحدها

كتب الناقد السينمائي شربل الغاوي

في مرافئ الضوء، حيث لا جريدة تُصفّق، ولا وزارة تُبادر، وقف ملحم بركات متّكئًا على نايٍ من ياسمين، ينتظر زيادًا لا كضيف، بل كوصيٍّ على ما تبقّى من معنى.

في علياءٍ لا يحكمها وزير، ولا يزوّر فيها الموت شهادة تكريم، لمح ملحم ظلًّا يقترب…

خطوات ثقيلة، محمّلة بمفاتيح البيانو الصامت، بأوراقٍ لم تنشر، وبصوتٍ ظلّ يرتجف في ذاكرة الناس كالوحي.

فتح ملحم ذراعيه، بضحكته المجروحة وصوته الذي يشبه تنهيدة وطن:

ــ “خبروني… قالوا الدولة كرّمتك قبل ما تجي، متل ما كرّموني!”

ثم غمز عينه، لا سخريةً، بل وجعًا، كأنّه يقول: “كذّبوا عليي متلك… بس يمكن كرّموك أكتر؟”

ابتسم زياد، ابتسامة من يعرف خيبات العالم، وقال:

ــ “كرّموني بالسكوت… وبالنسيان، وبنهارٍ عادي متل باقي الأيام.

ما حدا نكس علم، بس نكّسوا ذاكرتن.

ما حدا قال شي، بس سكوتن أعلى من خطاباتن.”

اقترب منه ملحم، وضع يده على كتفه، وقال بصوتٍ خافتٍ كدعاء:

ــ “كنت مفكّر إنو أنا طلعت مظلوم… بس طلع في ظلم أكبر.

هون، ما حدا بينسى… وهون، الموسيقى ما بتنطفي.

وإنت هون، مش لأنك متت… إنت هون، لأنّك عشت كتير بصمتُن، وكتبتن أكتر ما قدروا يقرأوك.”

ثم جلسا على طرف الغيم، لا يتكلمان، بل يسمعان.

أصوات الأرض تصل متأخّرة…

تصفيق كاذب… خبر عاجل عن وداعٍ لم يحدث… ومذيعٌ لا يعرف أن يلفظ اسم “زياد” دون أن يتهجّاه من ورقة.

بكى الغيم.

رجفت الأرزة.

وسقطت فيروز من حنجرتها دمعة… دمعة بحجم لبنان.

في حضرة ملحم، لم يُعزَ زياد، بل احتُضِن.

وفي حضرة زياد، لم يُسأل عن التكريم، بل عن المعنى.

وهناك، في فسحة الخلود، لم يُمنح وسامًا… بل أُعيد له صوته، كاملًا، حرًّا، لا يُقصّ، ولا يُمنع، ولا يُؤجَّل.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment