Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

كَسر القالب … حين يعتذر المسرح عن خيانة الحب – شربل الغاوي

طوني عيسى و ريتا سليمان

كَسر القالب … حين يعتذر المسرح عن خيانة الحب – شربل الغاوي

كتب الناقد السينمائي شربل الغاوي

في زمنٍ تتكاثر فيه العروض المسرحية كما تتكاثر العناوين، وتذبل القضايا بين المؤثرات، ينهض عرضٌ لبناني اسمه “كَسر القالب”، لا ليقدّم نفسه، بل ليخلعنا منّا، ويُرينا ما لا نجرؤ على مواجهته. هذه ليست مجرّد مسرحية… بل مواجهة وجوديّة بين الإنسان ومرآته. عرضٌ لا يخاف من الحقيقة، ولا يضع الزينة على القبح، بل يقدّمه كما هو: جارحًا، صادقًا، نابضًا… ومؤلمًا.

إنه عمل مسرحي يخرج من تحت رماد السكوت ليحمل جمرة السؤال: كم مرّة خذلنا من نحبّ؟ وكم مرّة برّرنا القسوة باسم الحب؟ وكم امرأة صمتت كي لا تهدم بيتًا، وهي تنهار من الداخل بصمت؟

الحكاية: بين الذاكرة والندم… يولد الاعتراف

يبدأ العرض من حيث تنتهي عادةً الحكايات: رجل عجوز، د. طلال، يجلس في مكتبته، يتأمّل ماضيه، يكتب، ويتكلّم. لكنّ كلماته ليست أدبية، بل دامعة. لا يدوّن إنجازًا، بل يفضح هشاشة إنسانيته. مونولوغ يُلقيه بوجعٍ فذّ، فيه كل ما لم يُقل يومًا بصوتٍ عالٍ. يروي عن امرأة ربّته على الطاعة، وأخرى علّمته الحب، وثالثة سامحته باسم الخوف. هو الكاتب، العاشق، الخائن، النادم، الإنسان… هو نحن.

وفي ارتدادٍ زمنيٍّ ساحر، يتحوّل طلال العجوز إلى طلال الشاب، في تنقّل يُدهش العين ويُحرّك الروح. يروي كيف أحبّ فتاةً عفوية، كيف فتنته ببساطتها، وكيف خانها لاحقًا مع امرأةٍ التقاها في حانة. يُبرّر، يتردّد، ثم يعترف. “بس أنا بسكّر الفواتير… يعني قمت بواجباتي!”، يقولها بعينين جافتين من الدمع، لكنها تُرعب كل من في القاعة. كم من رجلٍ يكرّر هذه الجملة كل يوم، دون أن يدرك أنّه لا يشتري الحب… بل يخسره؟

طوني عيسى

طوني عيسى… من جسدٍ إلى وجع

إن كان المسرح اعترافًا، فـ طوني عيسى في هذا العمل قدّم اعترافًا مسرحيًّا لا يُنسى. لا يُمثّل دور د. طلال فحسب، بل يتحوّل إلى نبض الشخصية، إلى جلدها، إلى صوتها الداخلي. يُتقن التحوّل من عجوز ينزف من الندم، إلى شاب يتخبّط بين الغواية والواجب، من مثقفٍ يكتب عن القيم، إلى رجلٍ يخونها عند أول اختبار.

في كل انتقال زمني، يخلع عن جسده عمرًا، ويُلبس صوته نبرة أخرى. لا مبالغة، لا استعراض، فقط صدق. الصدق العاري، الذي يُشبه السقوط لا التمثيل. وفي النهاية، حين يجلس على كرسيه، منهكًا من كل شيء، ويمزّق كتابه، ويتكلّم بدمعة غير مرئية: “نسامح الخاطي… ونحافظ على فراشنا… بهيك منكرّم الزواج”. هذه الجملة وحدها، بصوته، تكفي لتُبكي جدارًا، وتُرجف ضميرًا.

جوزيان الزير

جوزيان الزير… امرأة من دمٍ ونور

في مقابله، تقف جوزيان الزير، كأنّها امرأة من ضوء، من صدق، من وهنٍ يلمع، ومن قوّة تختبئ خلف الخوف. تُجسّد شخصية الزوجة التي خُدعت ولم تغضب، بل خافت. خافت أن تخسره، أن تُصبح وحيدة، أن تنهار، فآثرت الصمت. هي ليست ضعيفة… بل مُنهكة.

جوزيان لا تقول الكثير… لكنها تقول كل شيء بصوتها، بحركتها، بصمتها. حين تغنّي، تبكي الخيانة وهي تبتسم. حين تقف، تُشبه زهرة قُطفت باكرًا، لكنها ما زالت تفوح. وحين تصمت، يملأ صمتها الفراغات أكثر من أيّ صراخ. أداءها كان أشبه بندبةٍ جميلة، تذكّرنا بأن المرأة التي تسامح ليست ضعيفة، بل تُراهن على أن الحبّ، ربما، يُشفى.

ريتا سليمان

ريتا سليمان… النغمة التي تداوي الجرح

ريتا سليمان، بحضورها الأخّاذ وصوتها الشفّاف، كانت شريانًا غنائيًا يُغذّي جسد المسرحية بالحنين. لم تكن الأغاني في العرض تزيينًا، بل فصولًا من الرواية، تُعبّر عن المسكوت عنه، وتُلامس قاع الشعور. ريتا بصوتها كانت كمن يُربّت على كتف امرأة موجوعة، وكمن يُذكّر رجلًا أنّ في قلبه متّسعًا للندم.

تيلما عدس

تيلما عدس… الموهبة التي لا تُجامل

تيلما عدس، كانت المفاجأة الجميلة في العرض. أداءها الصادق، العفوي، والبعيد عن كلّ تصنّع، أضفى على النص طبقةً شفّافة من الحقيقة النقيّة. بدت وكأنها لا تمثّل… بل تُقيم في الشخصية وتتنفّسها.

من العقل إلى الخطيئة: ديكور يفكّر

السينوغرافيا، من تصميم عمر زرد، ليست خلفية للمشهد… بل شريك في الحكاية. تبدأ بمكتبة، توحي بأننا داخل عقل د. طلال، وسط أفكاره، أوراقه، وتاريخه. ثم، بانسيابية مدهشة، تتحوّل المكتبة إلى حانة… وكأنّنا انتقلنا من الفكر إلى الجسد، من العقل إلى الخطأ. التحوّل ليس بصريًا فقط، بل فلسفيّ، يُحاكي تقلبات الإنسان، وخساراته، ومواضع سقوطه.

ثلاث نساء… ثلاث مآسي

الجدة، الأم، والزوجة… ثلاث نساء من ثلاثة أزمنة، يُمثّلن ثلاث مآسي متكرّرة. الجدة تُكرّس الطاعة، الأم تُبرّر الخنوع، والزوجة تُحاول المقاومة. وبينهنّ، تُطرح الأسئلة الصعبة: هل نُربّي بناتنا على الطاعة أم على الكرامة؟ هل السكوت حكمة أم قتلٌ صامت؟ هل تُجدي التضحية حين تكون المرأة الوحيدة التي تُضحّي؟

الطفلة… الصوت الذي لا يُسمع

وفي نهاية مؤثّرة، يُبثّ صوت جيزال هاشم زرد، مجسّدةً مشاعر طفلة صغيرة، تقف بين أبٍ خائن وأمٍّ موجوعة. ذلك الصوت، بنبرته الطفولية، كأنّه صرخة من داخل كلّ بيت، تقول لنا: لا تنسوني في معارككم، فأنا من يدفع الثمن.

التوقيع الفني: خلف الكواليس من حملوا الوجع

هذا العمل لم يكن ليكتمل لولا رؤية إخراجية مبهرة لـ ماريلين زرد مصابني، التي نجحت في خلق توازن شعري بين النص والتمثيل والغناء والرقص. اشتغلت على التفاصيل، لكنها لم تغرق في الزخرف، بل صنعت من كل مشهد مرآة لمشهد آخر في القلب.

والموسيقى، بتوقيع طوني كامل وبسام دكاش، كانت أكثر من خلفية. كانت نبضًا. لحّنوا الجراح كما تُلحَّن الأغاني، فصار كلّ لحنٍ امتدادًا لعاطفة، وكلّ نغمة قادرة على قول ما تعجز عنه الجمل.

طوني عيسى و جوزيان الزير

ختامًا… حين يُكسر القالب، يولد الإنسان، وتبكي الخشبة

مسرحية “كَسر القالب” ليست مجرّد عرضٍ يُؤدّى، بل موقفٌ يُعلَن، ومرآةٌ تُكسر كي نرى في شظاياها وجوهنا الحقيقيّة. لا تُهادن المسرحية أحدًا، لا تُجمّل قبحًا، ولا تُخفّف من وجع. إنها لا تعزف على أوتار التسلية، بل تضغط على جرح الحقيقة، حتى آخر تنهيدة. هي عرضٌ يخلع كلّ زينة عن الواقع، ويضعنا وجهاً لوجه أمام أسئلتنا الأولى: من نحن حين نُحب؟ من نحن حين نُخطئ؟ من نحن حين نغفر؟ وهل نغفر لنُكمل الحياة… أم لنبقى فقط على قيدها؟

ليست فقط عن امرأة خُذلت، ولا عن رجلٍ خان، ولا عن بيتٍ تصدّع… بل عن الإنسان حين تتكشّف هشاشته بين يدي الحب والخوف، حين يُمسك قلبه في لحظة سقوط، ولا يجد إلا الاعتراف دواءً متأخّرًا. هي عن رجلٍ ظنّ أن المال يشتري الغفران، وامرأةٍ ظنّت أن الصمت يُنقذ، ومجتمعٍ علّمها أن التضحية واجبٌ أنثوي لا يُناقَش.

في كلّ مشهد، تُسقط المسرحية قناعًا، وفي كلّ جملة، تُفجّر صمتًا. رسالتها لا تُلقى، بل تُبكَى، وتُرتَّل، وتُزرَع فينا كندبة لا تُشفى.

رسالة لا تتحدّث عن الخيانة والزواج فحسب، بل عن الطفلة التي تمشي فوق خطوط الصدع، والزوجة التي تُصلّي كي لا ينهار البيت، والأب الذي لا يعرف كيف يُصلح ما كسره.

وفي لحظةٍ مفصلية، يعود إلى المسرح صوتٌ لطالما رافقنا في مواسم الطفولة وابتسامات البراءة: جيزال هاشم زرد، التي طالما أشرقت على مسارح الأطفال برسائلها وقصصها، ها هي اليوم تُبدّل المشهد، وتُطلّ بصوتٍ أكثر وجعًا، وأكثر وعيًا. بصوتها، تُجسّد وجع الطفلة الممزّقة بين أبوين، التائهة بين الحبّ والصراع، والمُغيّبة في معارك الكبار. جيزال، التي اعتدناها تدعو للفرح، ها هي اليوم تُرسل من قلبها نداءً لحماية الطفل… بحماية العائلة أولًا.

ليست هذه المسرحية دعوة لحكمٍ أو فتوى، ولا تصنع حلولًا مغلّفة للقلوب الكسيرة، بل تضعنا برفقٍ – وجرأة – أمام مرآة الأسئلة التي نخاف أن نطرحها:

هل الغفران امتداد للحب… أم انهيار للكرامة؟

هل الخيانة زلّة بشرية لا بدّ منها… أم قرارٌ يتنكر للمحبّة؟

هل الزواج ملاذٌ دافئ كما حلمنا… أم سقفٌ منخفض يضغط على أرواحنا؟

وهل الحبّ عهدٌ يُعاش بصدق… أم اختبارٌ يكرّره القدر علينا حتى نتعلّم الفقد؟

المسرحية لا تقول لك ماذا تفعل، بل تهمس لك: “تجرّأ… واسأل”

وفي زمنٍ يتقن فيه الجميع الخداع، تصبح الحقيقة أعظم بطولة، ويُصبح الصدق فناً منقرضاً، والمسرح آخر ما تبقّى من صوت الضمير.

“كَسر القالب” لا تصرخ… لكنها تئنّ. لا تبكي… لكنها تُبكينا. لا تُحاكم… لكنها تُعرّينا. عرضٌ يُشبه لحظة اعتراف أخيرة، عرضٌ لا يطلب التصفيق، بل الإصغاء.

لا يهمّ إن كنت رجلاً أو امرأة، عازبًا أو متزوّجًا… الوجع واحد، والندم واحد، والرغبة في الترميم هي ما يجمعنا.

فلنكسر القوالب… لا القلوب.

فلنحفظ الصدق… لا المظاهر.

فلنحبّ، لا لنملك… ولنعتذر، لا لنتخلّص من الذنب، بل لأن في الاعتذار حياة.

“كَسر القالب” ليست مسرحية تُشاهد، بل لحظة تُعاش…

مرآة تُجرَح، ودمعة تُسفك، وصلاةٌ تمثّلها الأجساد على الخشبة…

عرضٌ يشبهنا حين نتألم، وحين نكابر، وحين نحاول أن نبدأ من جديد.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment