
نقولا الأسطا… وترٌ من صخر ونبضٌ من مطر – شربل الغاوي
في زمنٍ خفّت فيه الأصوات الأصيلة وتكدّست في أروقة الفن أصواتٌ من ورق، يجيء نقولا الأسطا كقمةٍ شامخة في جبال زحلة، تتحدّى العواصف ولا تنحني إلا لسماء الخالق. يطلّ كنافذةٍ مفتوحة على رائحة التراب بعد المطر، وكغيمةٍ تلد البرق والنشيد في آنٍ واحد. ليس مجرّد مغنٍ، بل رسالة من زمنٍ كانت فيه الكلمة عهدًا، واللحن قسمًا، والصوت صلاةً لا تصعد إلا ومعها حنين الأرض ودمعة الأمهات.
على ضفاف البردوني وُلد، حيث الماء لا يعرف الزيف، وحيث يتعلّم القلب أن يصدح قبل أن يتكلّم. هناك، في حاراتٍ تحفظ وقع خطوات الأجداد، تشرّب نقاء النغمة ودرس سرّ العزف على أوتار القلوب قبل أن يدرس النوتة في الأكاديميات. تخرّج من مقاعد العلم حاملاً شهادة، لكن شهادته الكبرى كانت في صوته، إذ صقلته الحياة كما تصقل الرياح وجه الصخر، حتى صارت نبرته هويّة لا تتكرّر.
صوته… ليس مجرّد حبالٍ صوتية تهتزّ؛ بل نهرٌ من لهبٍ وندى معًا، يفيض إذا غنّى للوطن، ويحنو إذا غنّى للحب، ويوقظ فيك كلَّ ما ظننته مات. فيه دفء الموقد في ليل كانون، وفيه أيضًا صرامة الجبل حين يحرس قريته من الغياب. كل طبقةٍ فيه تحمل مزيجًا من الشجن والعنفوان، كأنها تقول لك: أنا لا أغني لتملأ أذنك، بل لتوقظ قلبك.
في زمنٍ تبيع فيه الأصوات نفسها في مزاد الموجات العارضة، يمشي الأسطا وحده، متوشّحًا عباءة الأصالة، يعرف أن الذهب قد يختبئ تحت غبار الوقت لكنه لا يصدأ. لم يساوم على ملامح صوته، ولم يبدّل جلده ليلحق بموضةٍ عابرة، بل ظلّ واقفًا في مكانه كشجرة سنديان، جذورها في الأرض وأغصانها تعانق الغيم.
وحين يعلو صوته في النشيد، يضيق الفاصل بين الحنجرة والسماء، وحين يهمس في أغنية حب، يتحوّل الحنين إلى نهر يسري في عروقك حتى تشعر أنك تحبّ للمرة الأولى. وإذا غنّى للحياة، يذكّرك أن الفرح ليس وليد المناسبات، بل وليد الصدق.
نقولا الأسطا ليس أسير الأغنية، بل مؤسس مملكتها. يقود اللحن كما يقود الفارس جواده في ساحة النصر، حيث كل كلمة سهم، وكل نغمة راية. صوته يمتلك تلك القدرة النادرة على أن يكون صلاةً وصرخةً في الوقت نفسه، أن يلمس جرحك برفق ثم يرفعك واقفًا أمام الحياة.
في حضوره، تدرك أن الفن يمكن أن يكون سيفًا بوجه النسيان، وأن المغني قد يصبح حارسًا لذاكرة وطن. نقولا الأسطا هو تلك المسافة بين الصدح والصمت، بين النغمة والحق، بين لبنان الذي كان ولبنان الذي لا يزال حيًا في قلوبنا مهما تكاثر الخراب.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment