
آدم… الصوت الذي يجرح القلب ويمنحه الحياة – شربل الغاوي
هناك أصوات تمرّ في حياتنا كما يمرّ الغيم، تترك ظلًّا عابرًا وتمضي، وأصوات أخرى تبقى كما يبقى النهر في مجراه، تحفر في الذاكرة وتستقر في وجداننا كوشمٍ لا يمحوه الزمن. من هذا الصنف النادر يجيء آدم، الصوت الذي يعرف كيف يوقظ الحنين من سباته، وكيف يسكب الشجن في المدى حتى يصير الهواء نفسه مغموسًا بالدمع.
لم يحتج إلى مسرح فخم ولا إلى أضواء باهرة ليعلن حضوره، فقد وُلد وفي حنجرته بذرة الفن، ونشأ على تربة الطرب الأصيل. صوته ليس صناعة استوديو ولا خدعة هندسة، بل خامة حقيقية، من ذلك النوع الذي يحمل بصمة الأرض، ورائحة المطر، ووجع العشاق في آن واحد.
حين يغني، لا يكتفي بأداء الكلمات، بل ينسج منها عالمًا متكاملًا، ويجعل المستمع شريكًا في الرحلة. في أغنياته، كما في تترات المسلسلات التي وُشمت بصوته، تسمع الصدق يتسرّب من بين الحروف، وتلمس في النفس الطويل مزيجًا من القوة والانكسار، وكأن كل نغمة عنده صلاة تُرفع، أو جرح يُفتح ليُداوى بصوتٍ أحنّ من اليد وأصدق من الدمع.
خامة صوته تحمل لونًا لا يشبه سواه؛ عمق يضرب في الجذور، وحزن شفيف يلتقي بصفاء النغمة، فيرسم هوية يصعب أن تُقلّد. هو من الأصوات التي تستطيع أن تغني بلا موسيقى، فيبقى الأثر نفسه، وربما أشد وقعًا، لأن صداه يملأ المسافة بين القلب والأذن بلا وسيط.
آدم هو ذاك الجسر المعلّق بين الأصالة والحداثة، يطوّع المقامات بروح العصر، فيمزج بين عبق الأمس ونبض اليوم. يذكّرك بصوت الحارة القديمة حين كان اللحن يكفي ليقيم العرس، ويعيدك إلى زمنٍ لم تفسده الضوضاء، حيث كانت الكلمة عهدًا والموّال وعدًا. ومع ذلك، يظل حضوره طاغيًا وسط صخب هذا الزمن، وصوته يفرض نفسه كحقيقة لا يمكن إنكارها.
الجمهور لا يسمع آدم… الجمهور يعيش آدم. يتقاسم معه الانكسارات والانتصارات في أغنية، يتنفس معه الحنين، ويجد في صوته مرآة لمشاعره المخبّأة. ومن هنا تأتي قيمته؛ ليس كفنان يؤدي أغنية، بل كروح تعرف كيف تترجم نبض القلب إلى لحن، وكيف تحوّل الألم إلى جمال خالد.
إنه ليس مجرد مطرب… إنه حالة شعورية كاملة، تثبت أن الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد الأغنيات ولا بحجم المسارح، بل بما يتركه في الروح بعد أن يسكت الصوت. ومعه، لا ينتهي اللحن أبدًا… لأنه يظل هناك، عالقًا في عمق الذاكرة، حيث يختبئ الحنين.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment