Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

الياس كرم… صوت الأرض الذي لا يشيخ – شربل الغاوي

الياس كرم

الياس كرم… صوت الأرض الذي لا يشيخ

من أول نفَسٍ يخرج من حنجرته، تدرك أن هذا الصوت لم يُصنع في استوديو معقم، بل وُلد في قلب الحقول، تحت شمسٍ حارقة ومطرٍ عنيد، وعلى أكتاف حكايات الجدود. صوته ليس طربًا عابرًا، بل أرضٌ تمشي على هيئة نغمة، وريحٌ تحمل غبار الزمن ورائحة القمح. فيه خشونة التراب، ونداوة النهر، وقسوة الجبل، وحنان الأم.

الياس كرم ليس مطربًا يطارد الأضواء، بل هو الضوء الذي يفرض نفسه على الظلام. يغني كما يتنفس، وكأن صوته فُطر ليحمل وجع العشاق وصبر الفلاحين، وليكتب بموالٍ طويل ما عجزت الكتب عن تدوينه. وعندما يمدّ النفس في غنائه، تشعر وكأن الموال جسراً بين ماضٍ يرفض الانطفاء وحاضرٍ يتشبث بذاكرة الطرب.

في أدائه، يتقاطع الحنين مع العنفوان. يعلو صوته فيصير مثل الموج حين يضرب الشاطئ، قويًا، صاخبًا، لكنه ينسحب بهدوء ليترك وراءه أثرًا لا يزول. هو فارس الموال، يعرف كيف يشد لجام النغمة، ومتى يطلقها لتطير في فضاء القلب. وفي كل طبقة صوتية، تختبئ حكاية؛ حكاية طفلٍ علّمه والده أن العود ليس خشبًا وأوتارًا، بل وطنٌ صغير يحمله بين يديه.

يحافظ على الطرب الأصيل كأنه حارس لبوابة زمنٍ جميل، يرفض أن يتركها مشرعة لرياح الحداثة المبتورة. لا يساوم على صوته، ولا يلوّن أغنيته لترضى أذن السوق. أغنيته تشبهه: صادقة، صلبة، صافية، تعبر من الحنجرة إلى القلب بلا وسيط.

الياس كرم هو من الأصوات التي لا تنحني أمام موجة العابرين، لأنه يعرف أن الخلود ليس في الكثرة، بل في النغمة التي تعيش بعد أن يصمت كل شيء. في حضرته، تدرك أن الفن ليس تسليةً، بل صلاةٌ تُقال على مقام العشق، وأن الصوت حين يكون حقيقيًا، يصبح وجهًا آخر للحياة.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment