
صبحي توفيق… النغمة التي تحفظ أسرار الأمس وتروي حكايات اليوم
هناك أصوات تتعلّم الغناء، وأصوات تولد وفي دمها موسيقى الأزقة العتيقة وأنفاس البيوت التي ما زالت أبوابها تُفتح على صباحات الطرب. وصوت صبحي توفيق واحد من تلك الأصوات التي خُلقت وفي حنجرتها حكاية، تتدفق كما يتدفق النهر في مجراه، لا يعرف التكلّف ولا يتوقف عند حدود الصنعة، بل يمضي كما تمضي الروح في صلاة صامتة، وكما يتهادى الضوء على حجارة الزمن القديم.
حين يشرع في أداء القدود الحلبية، لا يقدّمها كأغنية، بل كطقسٍ له ملامحه الخاصة، كعودة ابنٍ إلى بيتٍ عربي قديم يعرفه حجرًا حجرًا، فيحيي الأرواح النائمة في الجدران ويعيد إليها دفء الحياة. صوته في القدود ليس مجرد امتداد للنغمة، بل امتداد للذاكرة، يحرّك في السامع حنينًا عميقًا، ويُخرج من بين الحروف عبق الخشب العتيق، وملح العرق الهاطل من جباه المنشدين والمؤذنين الذين عبروا هذه الأرض منذ قرون.
يمتلك قدرة على أن يمدّ النفس فلا ينقطع، وكأن الهواء في رئتيه ليس هواءً عاديًا، بل مزيج من نسيم الفجر ودفء المساء. كل جملة لحنية عنده تولد من رحم الجملة السابقة، فلا تسمع فواصل، بل تيارًا واحدًا من النغم، كأنما القدود صُممت لتسكن صوته وحده.
لكن سحره لا يقف عند أبواب القدود؛ فعندما ينتقل إلى الأغنية الرومانسية، يتحوّل صوته إلى وشاح من دفء، يلتفّ حول المستمع كحضنٍ يطيل البقاء. هناك، تتغيّر أنفاسه، فيترك مساحات للصمت بين الجمل، كأنه يدرك أن الحب أحيانًا يُقال بما لا يُقال. في نبراته الرومانسية، الحزنُ نبيل، والفرحُ وقور، وكل همسة تحمل وعدًا لا يشيخ.
هو لا يكتفي بأداء النغمة، بل يكسوها بشجنٍ يشبه ظلّ الغيم على الحقول، يمرّ ببطء، يبدّل لون الأرض، ويترك بعدها أثرًا لا يُمحى. هذه الثنائية بين القوة والرقّة، بين الامتداد والهمس، هي ما تجعل المستمع يشعر أنه أمام لوحة سمعية تُرسم بالهواء.
صبحي توفيق في القدود الحلبية ليس مؤديًا فحسب، بل حارس لتراث يرفض أن يتقادم، ووسيط بين زمنين: زمنٌ حفظ اللحن كأمانة، وزمنٌ كاد أن ينسى كيف تُغنّى الحياة بصدق. وفي حضرته، لا يعود المستمع مجرّد سامع، بل شاهد على بعث النغمة من رمادها، وعلى كيف يمكن لصوتٍ واحد أن يردّ للقدود روحها الأولى، وللأغنية الرومانسية دفئها المفقود.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment