Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

زكي ناصيف… الصوت الذي جعل التراب يغنّي – شربل الغاوي

زكي ناصيف

زكي ناصيف… الصوت الذي جعل التراب يغنّي

ليس سهلًا أن تُكتب سيرة فنانٍ مثل زكي ناصيف. فهنا لا نتحدث عن مطربٍ جاء ليملأ مسارح ويُطرِب جمهورًا عابرًا، ولا عن ملحّنٍ يتصيّد الألحان كما يتصيّد الصياد طيور الصباح. نحن أمام رجلٍ صاغ هوية بكاملها، وأمام اسمٍ تحوّل مع الزمن إلى جسرٍ بين الأرض والسماء، بين الفلاح في حقله والعاشق في غربته، بين الدبكة في الساحات والدمعة في العيون.

زكي ناصيف لم يكن فردًا، بل كان جماعة. لم يكن صوتًا وحيدًا، بل أصواتًا متعدّدة تسكن في نبرة واحدة. فيه صدى التراب حين يئنّ تحت خطوات الغربة، وفيه فرح العرس حين تتشابك الأيدي على إيقاع الدبكة، وفيه حنين الوطن حين يغدو الحنين قدرًا لا يُردّ.

لقد حمل الرجل في حنجرته ما يشبه الوصية: أن تبقى الأغنية صادقة، بسيطة، خالدة. أن لا تغترب الكلمة عن قلب الناس، ولا يتيه اللحن في تعقيد لا يعرفه الفلاح ولا الراعيات ولا الأمهات اللواتي يرددن المواويل في الحقول. فهو لم يكن صوتًا فحسب، بل كان أيضًا ملحّنًا وشاعرًا حمل الكلمة واللحن كما يحمل الفلاح بذرةً في التراب، لتزهر في ذاكرة الناس. من هنا، صار اسمه مرادفًا للأصالة، وصارت أغنياته كالأعياد التي تعود ولو غاب أصحابها.

صوته… شهادة الحياة

صوت زكي ناصيف لم يكن زينة للسامعين، بل شهادة حيّة على أنّ الفن يمكن أن يكون مرآة الناس. كان صوته صلبًا يشبه الصخر، لكن فيه دفء يشبه نار الشتاء. لم يعرف الزخرفة ولا الاستعراض، بل خرج من حنجرته كما يخرج الكلام الصادق من قلبٍ لا يعرف الخداع. لذلك آمن به الناس، وردّدوا صوته كأنّه صوتهم.

إنّه الصوت الذي جعل الأرض تغنّي. فيه خشونة المواسم، وفيه حنوّ الأم، وفيه صدق العاشق. وحين تسمعه، لا تستطيع أن تفصل بين اللحن والرجل، بين الأغنية والحياة.

“حابيبنا حوالينا”… الفرح كطقس جماعي

في “حابيبنا حوالينا”، لم يكتب زكي ناصيف أغنيةً بقدر ما كتب طقسًا من طقوس الفرح. هي ليست مجرد كلمات للحبّ والوصال، بل صلاة جماعية تُرفع بأصوات الجميع. اللحن بسيط، لكنه يجرّ الجسد إلى الرقص، ويُشعل في القلوب بهجة تفيض على الساحة كلّها.

هذه الأغنية أثبتت أنّ الفرح ليس رفاهية، بل حاجة. وأنّ اللحن حين يكون صادقًا، يصبح ملكًا للجماعة لا للفرد. لقد قدّم ناصيف في هذا العمل درسًا عميقًا: أنّ الأغنية ليست للسامع وحده، بل للحيّ بأكمله.

“يا عاشقة الورد”… قصيدة الحلم

ثم تأتي “يا عاشقة الورد” لتكشف وجهه الآخر: وجه الرهافة. هنا يغدو الورد لغة، والعطر كلامًا، والحبّ صلاة خفيّة. الكلمة فيها مطر ناعم، واللحن رقيق كبتلة تهتزّ على نافذة الفجر.

لم تكن هذه الأغنية مجرد غزل، بل كانت نشيدًا للحبّ الصافي، ولحظة عاطفة تنحني أمام الجمال. زكي ناصيف فيها لم يكن الملحّن الصارم، بل الشاعر الذي يعرف كيف يجعل من الرقة موسيقى، ومن العاطفة وطنًا جديدًا.

“اشتقنا ع لبنان”… الوطن كجرح خالد

وحين نصل إلى “اشتقنا ع لبنان”، ندرك أنّ زكي ناصيف لم يكن يغنّي للأرض فقط، بل للأوطان التي تسكن قلوبنا. هذه الأغنية لم تُكتب كحكاية وطنية تقليدية، بل كجرح لا يلتئم. كلّ مغترب حين يسمعها يستعيد دموعه، وكلّ باقٍ حين يردّدها يعرف أنّ الوطن امتحان دائم.

اللحن يبدأ كهمس الشوق، ثم يتدفّق كالنهر حتى ينفجر صرخة. هو لحن يُشبه الطريق إلى البيت: محفوفًا بالدموع والآمال، بالغياب والرجوع. في هذه الأغنية، لم يقدّم ناصيف وطنًا على شكل خريطة، بل وطنًا على شكل قلب.

“نقيلي أحلى زهرة”… العاطفة في أبسط صورها

وفي “نقيلي أحلى زهرة”، يظهر زكي ناصيف العاشق الذي يحوّل أبسط صورة طبيعية إلى رمزٍ للحب. لم تكن الأغنية مجرد طلب غنائي، بل استعارة عن بحث الإنسان الدائم عن الجمال والصدق. الكلمة فيها شفافة، واللحن ينساب كجدول ماء، يدخل إلى الروح بلا استئذان.

هي أغنية تؤكد أنّ الحبّ لا يحتاج إلى خطب ولا إلى مبالغات، بل يكفيه زهرة واحدة ليصير العالم أجمل. بهذا العمل، جمع ناصيف بين شاعر الكلمة وملحّن الروح، فحوّل الأغنية إلى لوحةٍ من رهافة وبساطة خالدة.

البساطة التي تحوّلت إلى خلود

إنّ عبقرية زكي ناصيف أنّه صنع من البساطة عظمة. لم يركض وراء التزيين الموسيقي ولا وراء الطابع الاستعراضي، بل ترك للأغنية أن تكون مرآةً للحياة. لذلك ظلّت أغنياته تُردَّد على الألسنة جيلاً بعد جيل: في الأعراس والسهرات، في الغربة والعودة، في الفرح والحزن.

لقد أثبت أنّ الفنّ لا يحتاج إلى بهرجة كي يبقى، بل إلى صدق. وأنّ الأغنية التي تخرج من قلب صادق تستطيع أن تحمل ذاكرة وطن بأسره. زكي ناصيف كان الصوت الذي لم يخن الناس، واللحن الذي لم يخن الأرض، والفن الذي لم يخن نفسه. لذلك سيبقى، ما بقيت الأغاني التي تخرج من القلب لتسكن في القلب.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment