
غريتا عون… حين يبكي الحجر من صدق الوجه
حين تُطلّ غريتا عون، تتراجع اللغة خجلاً وتنهض الحقيقة عارية. لا تدخل المشهد؛ تُعيد خلقه. كأنّها يدٌ خفيّة تُزحزح الهواء من مكانه، فتتهجّى العيون ما لم تقرأه من قبل، ويصير الصمت جهاز إنذار داخليّ يقرع في القلب. حضورها ليس زيارةَ ضوء، بل عبورَ برقٍ يكشف المخبّأ في لحظة، ثم يترك في الروح أثرَ النار بعد انطفائها. لا تطلب الإذن من الكاميرا أو الخشبة؛ تمشي إليهِما كما تمشي إلى قدرٍ تعرفه، وتُنبت من عتمة اللحظة وجهاً جديداً للحياة.
هي ليست اسماً يُتلى، بل نفسٌ يتّسع. كل نظرةٍ منها نافذة، وكل كلمة جسر، وكل سكون اعتراف. كأنّها تقول للعين قبل الأذن: هنا يُجرَّد الزيف من زخارفه، وهنا يُمتحَن القلب بميزان الصدق، فإن ثبتَ.. بكى الحجر.
غريتا عون كيانٌ يُمارس الفن كما يُمارَس التنفّس؛ بلا ادّعاء، بلا التواء. لا تتزيّن بالشخصيات، بل تخلع عنها زينة العالم لتُريها وجهَها الحقيقيّ. في ملامحها تلاقي القوّةُ رهافةً لا تُرى، وفي صوتها ارتعاشةٌ تعرف طريقها إلى الأعمق؛ ارتعاشةٌ تُشيع الدفء في برد المعنى، وتصبُّ الملح حين يلزم على جرحٍ يحتاج أن يستفيق.
لا تقف أمام العدسات لتُرضي لحظةً عابرة. تذهب إلى ما بعد اللحظة: إلى الأثر. هناك، حيث تتبدّد قابليّة النسيان، تصنع توقيعها الهادئ الذي لا يهدأ. حضورٌ يُشبه الرسالة حين تصل في وقتها: قصيرةٌ في ظاهرها، طويلةٌ في صداها، دقيقةٌ في نصلها، رحيمةٌ في قصدها. وإذا انطفأ الضوء، يبقى من طريقتها ظلٌّ يذكّرك بأنّ الحقيقة لا تُطفأ مع المصابيح.
ومثلما تختار أن تعيش الفنّ بدل أن تشرحه، تختار أن تزرع لا أن تستعرض. مدرّبة التمثيل فيها لا تمنح وصفاتٍ جاهزة، بل تفتح أبواباً نحو الداخل. تُعيد ترتيب الخوف ليصير طاقة، وتُهذّب الارتباك ليغدو يقظة، وتغرس في المتدرّب يقيناً بسيطاً وعنيفاً في آن: أنّ التمثيل لا ينجو من الكذب، وأنّ الحبّ هو القوّة الوحيدة القادرة على حمل النصّ من الورق إلى الدم. معها تتحوّل الورشة إلى ساحة كشفٍ: الجسد يتعلّم الصدق قبل الحركة، والصوت يتعلّم الصمت قبل النطق، والوجه يتعلّم أن يكون مرآةً لا قناعاً.
تمشي إلى الشخصيات بخطى واثقةٍ وخاشعةٍ معاً؛ واثقة لأنّها تعرف الطريق، وخاشعة لأنّ الطريق نفسه أكبر من العابرين. لا تُغريها سهولة اللمعان، ففي اللمعان ما يكفي من زوال. تفضّل البقاء مع ما يبقى: أثرٌ صادق، سؤالٌ يقظ، دمعةٌ لا تخجل. هكذا تُقيم مع جمهورها عهدًا غير مكتوب: لن أمنحك تسليةً، بل لقاءً؛ لن أقدّم لك حيلةً جميلة، بل لحظةَ صدقٍ تُصلح ما أفسدته الضوضاء.
في كلّ طلّةٍ لها درسٌ للعين والقلب معًا: أنّ الفنّ ليس زخرفةً للواقع، بل مُطهِّرٌ له؛ ليس خطاباً من الخارج، بل انهماراً من الداخل. أنّ الإنسان حين يواجه ذاته على الخشبة، يمنح المتلقّي شجاعةَ أن يواجه ذاته خارجها. لذلك يبكي الحجر: لأنّ الحجر، حين تصادفه هذه الكثافة من الصدق، يتذكّر أنّه كان يومًا طيناً طريّاً، وأنّ في داخله ماءً لم يجفّ.
غريتا عون لا تعِدُ الجمهور بنهاياتٍ سعيدة، ولا تُخيفه بنهاياتٍ قاتمة؛ تعده بما هو أصدق: أن يخرج من اللقاء وهو غير الذي دخل. أن يجد في جيبه كلمةً منسية، أو في حلقه غصّةً نافعة، أو في قلبه فراغاً صار قابلاً أن يمتلئ. ومعها نفهم أنّ الفنّ، حين يتحرّر من الاستعراض، يعود إلى بيته الأول: بيت الإنسان.
هي الدليل على أنّ الوجه يمكن أن يكون نصّاً، وأنّ النظرة يمكن أن تكون قصيدة، وأنّ الصمت يمكن أن يكتب ما تعجز عنه حيل البلاغة. مع غريتا عون لا نبحث عن تعريفٍ للفن؛ نحن نراه. نلمسُه وهو يمرّ من العين إلى القلب، ومن القلب إلى الدمع، ومن الدمع إلى طهارةٍ صغيرة نخرج بها إلى العالم… أخفَّ بقليل، أصدقَ بكثير.
شربل الغاوي
صحافي وناقد سينمائي
Leave a comment