
قاسم ملحو… ممثل يمشي على حافة الضوء
ليس كلّ ممثلٍ يمرّ من أمام الكاميرا يُسمّى ممثلًا. بعضهم يزور المهنة، وبعضهم يسكنها، وقليلون يبنون فيها بيتًا من صمتٍ مدرّب ونَفَسٍ طويل. قاسم ملحو من هذا القليل: وجهٌ يعرف كيف يترك الظلّ في مكانه والنور في مكانه، وصوتٌ يجرّ وراءه ذاكرة أجيالٍ من المسرح والميكروفون والعدسة. حين يحضر، لا يطلب الإذن من العين؛ يباشر عمله مباشرةً على الأعماق: يعيد ترتيب الإيقاع الداخلي للمشهد، ثم يترك لنا مهمّة الاستسلام.
التكوين: المدرسة التي لا تُرى
في الخلفية، هناك معهدٌ يُدرّب الجسد على الاقتصاد، والصوت على الاقتصاد، والعين على الاقتصاد. المسرح علّمه أن الخطوة الواحدة يمكن أن تكون جملةً كاملة، وأن الصمت ،إذا وُضع في مكانه، أبلغ من صفحات حوار. لذلك يقترب من الشخصية كمن يقترب من آلةٍ دقيقة: يمسح الغبار أولًا، يجرّب المفاتيح، يصغي إلى النغمة الخافتة تحت الضوضاء، ثم يبدأ الضبط. هذا الضبط هو سره: لا إفراط في التعبير ولا تفريط؛ شدٌّ محسوب واسترخاءٌ محسوب، وكلاهما يعمل لصالح حقيقةٍ لا ترى ما لم تُضاء من الداخل.
الوجه الذي يفكّك الأقنعة
ملامحه ليست حيادية. فيها شيءٌ من الحِدّة، وشيءٌ من الرزانة، وشيءٌ من السخرية الهادئة. لكنه لا يسمح لملامحه أن تقوده؛ هو الذي يقودها. يغيّر وضع الفم بمقدار ذرّة، فتتحوّل الابتسامة إلى تهديد، ويخفض الجفن نصف ملّيمتر، فيغدو الاطمئنان ريبة. يترك مسافةً بين الكلمة والكلمة كأنها دهليزٌ قصير، ندخله ونحن نظنّ أننا نعرف، ونخرج وقد تغيّرت معرفتنا. تلك “المسافة” هي ملعبه المفضّل: يضع فيها ما لا يُقال، ويستخرج منها ما لا نتوقّع.
الصوت: ذاكرةٌ في تردّدٍ دافئ
من الميكروفون تعلّم الاقتصاد الثاني: أن لا تقول إلا ما يلزم، وأن تُقال الجملة بحيث تكملها الأذن قبل أن تكملها الشفتان. خامته الصوتية تحمل حبيباتٍ واضحة، كأنها الرمل حين ينساب بين الأصابع: فيها دفءٌ يصلح للبوح، وخشونةٌ صالحةٌ للمنع. لذلك يستطيع أن يقدّم شريرًا لا يصرخ، ورجلَ سلطةٍ لا يهدّد، ومقهورًا لا يبكي. الصوت عنده ليس حاملًا للنصّ فقط، بل حاملًا للذاكرة: يضعك في زمن الشخصية وهي تتكلّم، في عمرها وهي تتنهّد، وفي جغرافيتها وهي تسكت.
الجسد: جملةٌ تمشي
خطوته ليست واحدة. في دورٍ يمشي بعرض الكتف، كمن يملك الشارع؛ وفي آخر، ينضغط حتى يوشك أن يتلاشى، كمن يخاف أن يسمعه الجدار. حركة اليدين عنده فصلٌ كامل: أحيانًا يتركهما ساكنتين كأنهما دليل براءة، وأحيانًا يحرّك واحدةً فقط كأنها توقيعٌ على جملة. حتى الوقفة الطويلة أمام الكاميرا،تلك التي تبدو فراغًا،هي مساحةُ اشتغال: يعبئها بأنفاسٍ مدروسة، ويتيح للعين أن تعمل بدل الفم.
بناء الشخصية: من السيرة الخفيّة إلى الزمن الداخلي
لا يدخل شخصيةً إلا بعد أن ينحت لها “سيرةً خفيّة”: طفولةٌ لا تُذكر، هزيمةٌ لم تُروَ، عادةٌ صغيرة في فرك خاتمٍ أو ترتيبِ طرفِ قميص. هذه التفاصيل لا تُعرَض على الشاشة بالضرورة، لكنها تُرى من تحت الجلد. ثم يمنح الشخصية “زمنًا داخليًا”: سرعةَ تفكيرٍ بطيئة لرجلٍ يزن كلمته بالميزان، أو سرعةً خاطفةً لمن اعتاد الفرار. بهذا الزمن تصير الكلمة،مهما قصرت، سيرةً تمشي.
مناطق الظلّ: إنسانية الشرّ وافتتان التناقض
يُحسن القتل الهادئ للشخصيات الجاهزة. حين يُكلَّف بدورٍ يُكتب عادةً باللون الأسود، يضيف إليه رُطوبةً إنسانية: يجعل القسوة قرارًا، لا طباعًا؛ ويجعل الانحراف حاجةً، لا هواية. يضع أمامك الشرّ كما لو كان مرآةً متّسخة، ويتركك ترى وجهك فيها. وفي الضفّة المقابلة، يعرف كيف يمنح الطيبةِ كلفةً: لا يجعلها سذاجة، بل خيارًا شاقًا. لذلك تظلّ شخصياته،حتى حين تغادر اللقطة، قريبةً من جلدك: لا تحبها كلّها، ولا تكرهها كلّها؛ لكنها تبقى معك لأنك تعرفها في مكانٍ ما من نفسك.
الكوميديا حين تحبس الدمع
في لحظات التخفّف، يملك توقيتًا كوميديًا منضبطًا: لا يسرق الضحكة بل يربّيها. يزرع بذرتها في نظرةٍ جانبية، أو في استدراكٍ صغير على جملةٍ جادّة، ثم يتركها تكبر. الضحك عنده ليس نكتةً تُرمى؛ هو توازنٌ دقيق بين الإحراج والاعتراف. لذلك تأتي الضحكة بطيئةً، ثم تعود تطرق الباب بعد انتهاء المشهد، لأن وراءها معنىً لم يُقَل بعد.
بين المسرح والعدسة والميكروفون
تعدّده ليس تشتّتًا، بل مدارسُ تتكامل. المسرح منحه القدرة على حمل المشهد على ظهره، التلفزيون علّمه الاقتصاد في اللقطة، السينما منحته لذّة الصمت الطويل، والإذاعة والدوبلاج درّبا أذنه على سمع ما لا يُسمع. حين يجتمع هذا كلّه، يصبح الأداء تركيبًا لا يُرى مفصولًا: مزيجًا من عيونٍ تعمل وحدها، وصوتٍ يذهب إلى أعمق من الكلمة، وجسدٍ يقول ما يُستحى أن يقال.
الأخلاقي في الجمالي
قلّما يتحدث الفنّانون عن “كرامة الصورة”، لكنه يفعل: يمتنع عن استعراض العطاء، ويرفض أن تُنتهك إنسانية الهشّ بحجة الدهشة. هذه الحساسية الأخلاقية ليست خطبة؛ هي تنعكس في الأداء. ترى ذلك في طريقة نظرته إلى الأضعف في المشهد، في قدرته على أن يجعل سلطة الشخصية مسؤولة لا متغطرسة، وفي امتناعه عن الإشباع الرخيص للشرّ أو الرثاء. الفنّ عنده ليس منصةً للهيمنة على المتفرّج، بل دعوةٌ تُحترم فيها كرامة عينٍ جاءت لتصدّق.
الحرفة: من “الإشعار” إلى “الإقناع”
هناك ممثلون “يُشعرونك” أنهم يمثلون، وهناك من “يقنعونك” أن ما تراه يحدث الآن. قاسم ملحو ينتمي إلى الفئة الثانية. سرّه في الممرّات الصغيرة: يدخل المشهد قبل الكلمة بنصف ثانية، ويغادره بعدها بنصف ثانية. هذه النصفان هما ما يمنحانك الإحساس بأن الحياة لم تبدأ عند “أكشن” ولم تنتهِ عند “كت”. بينهما يعيش المشهد، وبفضلهما لا تموت الشخصية عندما تغلق الشاشة.
المسافة مع الكاميرا
يعامل الكاميرا ككائنٍ له حقّ الفهم. لا يزاحمها، ولا يتدلّل عليها. يترك لها عملها في الاقتراب من الجلد، ويمنحها ما تريد من شقوق الروح. لهذا يحبّ الكادر القريب (القائم على الوجه): هناك تُختبر جودةُ العصب، ويُعرف من يتمالك تعبيره ومن يُغريه الاستعراض. وهو يعرف كيف ينسحب خطوةً إذا احتاج المشهد إلى الهواء، وكيف يقترب إن استدعى الاعتراف.
الذاكرة الشخصية كمصدر
لا يُخفي أثر الحياة في أدائه: الخسارات الصغيرة، محن البلاد الكبيرة، وتلك الأسئلة التي تتسلّل إلى البيت بعد انطفاء الضوء. لا يبيع هذه الذاكرة في المزاد، لكنك تراها وهي تعمل: في ارتجافةٍ موضوعة بعناية، في تنهيدةٍ ليست من النص، وفي نظرةِ إنسانٍ كان يمكن أن يكون شخصًا آخر لو تغيّر تفصيلٌ صغير. هكذا يراكم رصيدًا من الصدق؛ والصدق،في النهاية، هو العملة الوحيدة التي لا تسقط في سوق التمثيل.
الجمهور: شريكٌ لا متفرّج
يعرف أن الجمهور ليس “خلف” الشاشة، بل “معها”. لذلك يخاطبه بلا وساطة: يمنحه دليلًا صغيرًا على الطريق، ثم يثق بأن عينه ستكمل القراءة. لا يفرض المعنى؛ يفتحه. لا يشرح؛ يلمّح. وحين يلامس هذا التواطؤ الذكيّ مستواه الأعلى، يحدث ما لا يُشرح: يصبح الوجه كتابًا، ويصير الصمت موسيقى، وتغدو القسوة اعترافًا مؤلمًا بضعفٍ لا نحبّ أن نراه.
خلاصة المسيرة: صنعةٌ تتقادم جمالًا
مسيرته، إذا أردنا تلخيصها، ليست “عدد أعمال”، بل “عدد اختبارات” مع الحقيقة. في كل محطةٍ يجرّب أن يكون نفسه بطريقةٍ جديدة، أو يكون آخر بطريقةٍ تُشبه نفسه. يُصدّق الحرفة ولا يخونها، ويترك للزمن حقّ تحسينه بدل أن يستهلكه. لذلك تراه اليوم أكثر قدرةً على الاقتصاد من البارحة، وأكثر قدرةً على التواضع أمام المشهد: يعرف أين يضع النقطة، ومتى يترك الجملة معلّقة.
خاتمة: ممثلٌ يتركك أمام مرآتك
قاسم ملحو لا يطارد التصفيق؛ يطارد المعنى. لا يطلب دمعة؛ يخلق ظرفها، ثم ينسحب. لا يرفع صوته؛ يرفع مستوى الإصغاء. ومن بين كلّ ما يمكن أن يقال في حقّه، ربما يكفي أنه ممثلٌ يتركك مع نفسك بعد المشهد. تظن أنك جئت لترى شخصًا آخر، فإذا بك ترى شيئًا منك. هذه هي معادلته الصعبة: أن يكون الشاشةُ مطرقةً لا مرآةً فقط، وأن يحافظ، مع ذلك، على كرامة كلّ ما يُطرَق.
هذا هو الرجل الذي صنع من الصمت لغة، ومن الاقتصاد أسلوبًا، ومن التعدّد وحدةً واحدة. ممثلٌ يمشي على حافة الضوء، ولا يقع. لأن تحته دائمًا شبكةٌ من حرفةٍ صادقة، وذاكرةٍ حارّة، وذهنٍ يعرف أن الجمال،في الفنّ كما في الحياة، هو الدقّة حين تَرحم، والرحمةُ حين تُتقن.
شربل الغاوي
مخرج – صحافي وناقد سينمائي
Leave a comment