Charbel El Ghawi Beirut El Fan

.

شربل الغاوي بيروت الفن

سعد مينة… نبرةٌ هادئة تسكن العاصفة وتُعيد ترتيب الصمت – شربل الغاوي

سعد مينة

سعد مينة… نبرةٌ هادئة تسكن العاصفة وتُعيد ترتيب الصمت – شربل الغاوي

التمثيل كصمتٍ عميقٍ يتكلّم

ليس سعد مينة ممرًّا عابرًا في ذاكرة الشاشة، بل ظلٌّ طويلٌ لحكايةٍ أُشعلت في بيتٍ يعرف طعم الحبر ودفء الورق. خرج من رحم القصص لا من ضوء الكاميرا، وحمل إلى المشهد هدوءَ الكاتب وصبرَ الحرف. حين يقف أمام العدسة، لا يصرخ كي يُسمَع، بل يتنفّس كي يُصدَّق.

في حضوره ما يشبه النَفَس الطويل للموج، يبدأ همسًا وينتهي أثرًا. يُطوّع الجملة كما يُطوّع الحرفُ القصيدةَ، يُسلّمها للمعنى كي تنضج، ثم يتركها تمشي وحدها نحو المتلقّي. لا يزاحم الضوء، بل يربّيه. لا يلهث خلف الشهرة، بل ينتظرها أن تبلُغ نُضجها.

هو ممثّلٌ لا يسكن الدور، بل يسكنه الدور، يترك على وجنته ظلَّ شخصيةٍ مرّت ولم تذهب. الواقعية عنده ليست فقرًا في الخيال، بل كرمًا في الصدق. لا يضع العاطفة في فخّ المبالغة، بل في قياسٍ دقيق بين ما يُقال وما يُحسّ. ومن هذا التوازن يولد سحره: حضورٌ يهمس أكثر مما يصرخ، وصدقٌ يفيض من ثنايا الهدوء.

حضور الوعي لا وهج الغرور

خارج الكاميرا، يشبه سعد مينة طريقًا حجريًّا يعرف إلى أين يفضي، حتى وإن لم يُضأ بالكامل. يتحدّث بثقة من يعرف ثقل الكلمة، ويمشي بخطى من تعلّم أن لا يركض وراء الأضواء بل يُضيء من ذاته. وعيه لمكانه هو سرّ خلوده؛ لا يغترّ بمجدٍ عابر، ولا يهبط حين تنخفض الموجة. كأنه يقول: “ليس المهم أن أُرى، بل أن أُفهَم”.

حليم في «سلمى»… حين يقف الطموح على حافةٍ من الزجاج

رجلٌ يتكئ على ظلّه

في «سلمى»، يكتب سعد مينة شخصية “حليم” بمدادٍ من رمادٍ ونار. رجلٌ يسكن الحافة، يلمس الضوء ولا يملكه، يتّكئ على ظلّه كي لا يسقط. فقيرٌ في حظّه، غنيّ في مكيدته، يتنقّل بين الحلم والانتقام كما تتنقّل اليد بين الدعاء والقبضة. هو الطامح الذي لا يعرف متى يتحوّل الطموح إلى فخّ.

لا يطلب حليم النجاة، بل يفاوض القدر عليها. كلّ خطوةٍ له نحو القوّة تُشبه سُلَّمًا من طينٍ يُخفي تحته خوفًا قديمًا من السقوط. يبتسم ليخفي الوجع، ويتكلّم ليؤخّر انكساره. في عينيه يقيم فقرٌ لم يجد له مخرجًا إلا المكر، وفي صوته شقوقُ قلبٍ أُرهق وهو يحلم أن يكون أحدًا.

أداءٌ يهمس في ليلِ النصّ

يؤدّي سعد مينة “حليم” كما يؤدَّى الشعر: باقتصادٍ يورّث الغزارة. لا يُهاجم المشهد، بل ينساب فيه. نبرته لا تفيض، بل تُقطّر. جسده يتنفّس ببطءٍ محسوب، كأنّ كلّ حركةٍ تُدفع من عمقٍ بعيدٍ في الذاكرة. حين يصمت، يصبح الهواء جملةً مكمّلة، وحين يبتسم، يخطر للمشاهد أنّ الابتسامة صارت سلاحًا.

لا شيء صاخب في حضوره، ومع ذلك يُحدِث فيك ضجيجًا داخليًّا لا يُسكت بسهولة. يزرع الخوف في الصمت، ويُمرّر الشرّ في نغمةٍ هادئةٍ لا تُستفزّ، فتغدو شخصيته أشبه بغيمةٍ داكنةٍ تمرّ فوق المدينة ثم تُمطر بعد رحيلها.

التناقض كإيقاعٍ داخليّ

في أعماق «حليم» تتجاور النوايا كما تتجاور النيران في رمادٍ واحد. هو القاسي لأنّه هشّ، والماكر لأنّه جُرِح، والهادئ لأنّ العاصفة في صدره أكبر من أن تُقال. بهذا التناقض يكتب سعد مينة موسيقى الشخصية، يجعل المشاهد يكرهه ويحنّ إليه في الوقت نفسه. نكرهه لأنّه يؤذي، ونحنّ إليه لأنّنا نفهم دوافع الأذى. إنّه شرٌّ يعرف أنّه شرّ… ومع ذلك يتألّم.

أثر الدور في مسيرته

في «سلمى»، لا يضيف سعد مينة دورًا جديدًا فحسب، بل طبقةً جديدة لصوته التمثيلي. يفتح بابًا بين الكوميديا الداكنة والدراما القاسية، ويُدخل الضوء إلى المنطقة الرمادية التي لا تجرؤ الشخصيات الأخرى على البقاء فيها. هنا يبلغ نضجه الفني: أن يضع الإنسان قبل الشخصية، وأن يجعل الخطيئة قابلةً للفهم لا للتبرير.

خاتمة

سعد مينة في «سلمى» لا يمثّل… بل يكتب وجهًا من وجوه الإنسان حين يضيع بين المجد والنجاة. حليم ليس خصمًا، بل مرآة تعكس هشاشتنا حين نرتدي القوّة، ودموعنا حين نبتسم لنخفي الخوف.

هكذا يتركنا سعد في نهاية المشهد: نحاول أن نكرهه، فلا نقدر… نحاول أن نغفر له، فنخاف أن نغفر لأنفسنا.

وفي المسافة بين الظلّ والنور، يبقى صوته يتردّد في الذاكرة كجملةٍ غير مكتملةٍ من قصيدةٍ طويلةٍ اسمها الحياة.

شربل الغاوي

مخرج – صحافي وناقد سينمائي